القديس توما الألكويني – الجزء الأول

توما الألكويني

القديس توما الألكويني – الجزء الأول

تأثر تأثراً كبيراً بأغسطينوس مع بعده عنه نحو 795 عاماً، فيلسوف لاهوتي من أصل إيطالي، كتب باللاتينية، ولد في قصر روكازيكا على مقربة من آكوينو في إيطاليا الجنوبية، لذلك سمي على اسم المدينة التي خرج منها (ألاكويني)، درس في نابولي سنة 1239، وانتسب إلى الرهبانية التي كان قد أسسها القديس دومينيكو سنة 1216، وكان فيلسوفاً لاهوتيّاً، وهو أحد معلمي الكنيسة الثلاثة والثلاثين، أثّرت فلسفته على الفلسفة الغربية.

قام القديس “ألبرتو” بتعريف توما ألاكويني بأعمال أرسطو، ألبرت الكبير كان لاهوتيّاً وشرح منطق أرسطو والطبيعيات وما بعد الطبيعة والأخلاق والسياسة، فبهذا يقصدون أن الحقيقة يمكن الوصول إليها عن طريق المنطق والعقل، فلقد أخذ ألاكويني بنظريات أرسطو في “حركة الأفلاك”، والتي تحمل الأجسام السماوية،  ولكنه رأى أن “الملائكة” هي سبب هذه الحركة، فالملامح الرئيسية للملائكة عند ألاكويني هي أنها كائنات غير مادية، فالمادة هي المبدأ الذي يُعرّض الشيء للهلاك عن طريق قوى طبيعية، ولقد اعتبر ألاكويني أن الملائكة ليس بوسع أي قوة أن تهلكها إلا الله فقط، وكان يعتبر أن مادتهم مختلفة عن المادة التي نعرفها نحن، فنحن نختلف عن بعضنا بسبب اختلاف كتلة المادة لكل منّا، أما الملائكة فليس لهم مادة لذلك لا بد أنهم مختلفون بطريقة أخرى، والطريقة التي يراها ألاكويني السبب في اختلافهم هي كونهم أنواعاً مختلفة من الأشياء، وامتلاكهم مادة يعني أيضاً أنهم لا يستطيعون أن يتواجدوا في العالم بنفس الطريقة التي تتواجد بها الكائنات المادية.

الملائكة

هم رأس الخليقة، فالله عقل وإرادة، والعقل المفارق أكمل من العقل المتصل بالحس، لذلك كان من الملائم أن يقع وجود الملائكة بين الروح الصرف والمادة الصرفة، فكلما كان الشيء أكمل كان مخلوقاً من الله بزيادة أعظم، والملائكة ليست بسيطة مثل الله، فالله ليس مركبّاً، لذلك الملائكة مخلوق موجود بالمشاركة، فهم بكل الأحوال أشباه الله.

الإنسان

الإنسان يتشوق للسعادة بطبيعته، والله هو سعادة الإنسان، فالعقل قادر على المعرفة ولديه القدرة على إيصال المعرفة، لذلك يوجد اتصال مباشر بين عقل الله والعقل البشري، والله عقل بالفعل فهو وجود مكتمل، وهو واجب الوجود؛ فالقوة ينقصها الفعل حتى تصل إلى الاكتمال، والعقل بحاجة إلى الاستعانة بالوحي.

الإنسان مركب من جوهر روحي وآخر جسمي، يؤلفان منه موجوداً وسطاً بين الملائكة وباقي الحيوانات، فالجوهر الروحي عند الإنسان يسمى نفساً، وهي التي تتوسط ما بين المرتبة العليا والمرتبة الدنيا، ويقال هذا الاسم على مبدأ الحياة بالإجمال في الأحياء الطبيعية (النبات، والحيوان، والإنسان)، ولكن النفوس تختلف في  ماهيتها ووظائفها، أما أن النفس بإطلاقها موجودة؛ فيدل عليه أن الحياة لا تصدق على الجسم بما هو جسم، وإلا لكان كل جسم حيّاً أو مبدأ للحياة!

وضع الألكويني الإنسان في المرتبة الثانية من مراتب الخليقة!

فلا بد من مبدأ في الحياة، فلا يكون جسماً بل فعلاً أو صورة لجسم. يوجد الإنسان في أعلى درجات سلم الكائنات البدنية ، المؤلف من روح ومن جسد، وعند الإنسان كما عند الحيوانات الأخرى (صورة الجسد)، ولكن هذه النفس عند الإنسان تحرره نوعاً ما من عبوديات المادة لكي تستطيع البقاء بعد تحلل الجسد، أما العقل مستقل عن الجسم؛ فهو روحي، والنفس خالدة؛ فهي غير فاسدة، وغير فاسدة بالذات لأنها صورة قائمة بذاتها يلائمها الوجود، فالنفس الإنسانية تبقى بعد فساد الجسم، مع استعدادها للاتصال به ونزوعها الطبيعي إليه، من حيث أنها صورة لجسم، وهذا هو الأصل الطبيعي للبعث.

أما في ما يتعلق حول السعادة الإنسانية أو الرؤية الطوباوية، أوضَح أن السعادة في متناول الجميع، ولكن الإنسان يحتفظ بها للآخرة،  فالسعادة عنده ستكون أيضاً تأمّل الله، وهذا ما يسمى باللغة اللاهوتية (الرؤية الطوباوية)، ولقد حدد أرسطو للنشاط الإنساني غاية وهي السعادة، ووضع السعادة في الممارسة العليا للمملكة البشرية العليا وهي العقل.

هناك غاية قصوى للحياة الإنسانية؛ وهي السعادة فهي كمال الإنسان وكمال كل شيء على قدر وجوده بالفعل، بحيث يوجد سعادة كاملة وسعادة ناقصة؛ أما السعادة الكبرى هي رؤية الله في الآخرة، أما الناقصة فهي تكون في الدنيا وهدفها الأساسي معرفة الله ومحبته ومزاولة الفضائل وصحة الجسم، فحقيقة الفعل الإنساني متجه إلى غاية مُدركة ومُرادة وهكذا تكون الغاية هي مبدأ الأفعال الإنسانية، نستوضح هنا ربط توما الألكويني بين الروح وخالقها، وبما أن النفس هي التي تتوسط ما بين الله والجسم الإنساني أو باقي المخلوقات، فإن النفس في جوهرها مرتبطة بالمرتبة العليا (الله)، وكذلك بالمرتبة الدنيا (الجسم) وباقي المخلوقات، قصد أن الإنسان يدرك الأجسام إدراكاً مجرداً (أي ليس لـه ارتباط مادي) وأن الآلة الجسمية لا يمكن لها أن تدرك الأشياء بدون وجود نفس وهذا الأمر وارد؛ كون الأجسام لا يمكن لها أن تدرك وأن تأخذ انطباعات عن الأشياء بدون وجود نفس مرتبطة بالعقل الإنساني ليقوم بتخزينها ووضع التفسيرات بشأنها، لكن هذا الطرح ينقد الفكرة التي طرحها القديس، وهي أن النفس روحية وغير فاسدة بما يعرض لها من فساد الجسم، فمن أين يمكن للجسم أن يفسد وهو رهن للإرادة الصادرة عن النفس أو العقل؟! لذلك رأى أن سبب فساد الجسم هو العقل أو النفس التي تستطيع التحكم بالشهوات والغرائز وليس الجسم، خاصة أن الجسم حينما يموت يفنى ويصبح بلا عمل، إلا أن النفس تبقى خالدة.

وعد اجبرات

المدير العام لموقع زين بوست، محررة وباحثة.

View All Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *