عصر التنوير

عصر التنوير

عصر التنوير

إذا أردنا أن نتحدث عن عصر التنوير فإننا نشير إلى معنيين: المعنى الديني بمعنى (نور الله)، والمعنى الفلسفي بمعنى (نور العقل)، وتفيد الكلمة في أصلها اللاتيني ” نور الإيمان ” الذي أصبح في القرن الثامن عشر نور العقل، وكان أول من ربط بين المعرفة والنور أفلاطون من خلال أسطورة الكهف، وتعود أيضاً إلى المسيحية التي ربطت بين النور والله، وكذلك الحال في الإسلام، في الآية الكريمة ” الله نور السموات والأرض “.

أما فلاسفة العصر الحديث فنخص بالذكر ديكارت وخاصة في مقالته ” البحث عن الحقيقة بواسطة نور الطبيعة “

في سنة 1671، حلت كلمة التنوير محل الفكر في جميع المستويات، وأصبحت تدل على موقف فكري وأخلاقي وانتماء سياسي وتاريخي واعٍ بحقبة جديدة غنية بالإمكانات العديدة، حيث ارتبط التنوير في هذه المرحلة بالفلسفة والنقد ارتباطاً كبيراً، وعبر الفلاسفة الفرنسيون عن نزعة نقدية كبيرة للمجتمع والدين ودافعوا عن قيم الحرية والتسامح وضرورة الفصل بين الدين والعلم وبين الدين والدولة، وخاصة الدين المسيحي في صورته الكاثوليكية.

فقد أصبح التنوير في نهاية القرن الثامن عشر حركة فكرية وثقافية عالمية تدعو إلى اعتماد مبادئ العقل والحرية والعلم والتقدم، وكانت الثورة الفرنسية هي السبّاقة في الإعلان عن حقوق الإنسان والمواطن، الأمر الذي أدى إلى انتشارها في مختلف البلدان الأوروبية مع فوارق في الدرجة، وإذا قلنا أن التنوير من الناحية التاريخية يشير إلى القرن الثامن عشر، حيث ظهرت حقبة تاريخية أوروبية عرفت بصعود البرجوازية من الناحية الاقتصادية، فإننا لا يمكن أن نفصل هذه الفترة عن القرون التي سبقتها وبخاصة القرنين السادس والسابع عشر المتمثلة في قيام أحداث سياسية واقتصادية وعلمية، حيث كان للثورة الإنجليزية عام 1668 فرصة لتطوير قدرات أوروبا الاقتصادية والعلمية والعسكرية.

وفي جميع الأحوال، يجب علينا النظر إلى التنوير على أنه حركة تاريخية وعلمية فكرية وسياسية، وليس مذهباً أو نظرية أو نظاماً، وهي موقف فكري وثقافي يقوم على الإيمان بالعقل، العلم، الحرية، التسامح، التقدم والسعادة البشرية، وإذا كان هذا القرن قد تأثر بشكل كبير بالعلم الطبيعي والاكتشافات العلمية، فإنه قد تأثر بالأحداث السياسية وخاصة بالثورة الإنجليزية التي أكدت على حق الشعب في تحديد شكل الحكومة، ومن ثم تأثرت أمريكا بها سنة 1789 وأعلنت مبادئ حقوق الإنسان والمواطن، ويذكر أن الكنيسة في القرن السابع عشر كانت تسيطر على العلوم، حيث كان أكثر رجال العلم من رجال الدين، وكان كل اكتشاف علمي يحتاج إلى تصريح من الكنيسة، ونذكر من أولئك العلماء في تلك الفترة (كوبرنيكوس، وجاليليو).

حيث كان أكثر أساتذة الجامعات الأوروبية في القرن السابع عشر من رجال الدين، ففي هذا القرن ظهر التقدم التكنولوجي الذي ساعد على استقلال العلماء استقلالاً ماديّاً ومعنويّاً، حيث أصبح العلماء رجال صناعة فنية أو تكنولوجية بدلاً من رجال الدين، فاهتموا بصناعة العدسات وتركيبها وصنعوا المنظار المكبر والمجهر، واخترعوا الآلة الحاسبة والساعات الآلية، وكان استخدام الآلة أو الماكنة في إنجلترا هو ما ساعد على التقدم الاقتصادي للبلاد.

تقدمت الطباعة مما ساعد على نشر الكتب، فكان للتقدم العلمي في هذا العصر أثره الكبير على المجتمع، فغيّر من وجهه الحضاري، ولقد ساعدت الاكتشافات العلمية على قيام ثورة صناعية وعسكرية وبحرية، كان مهدها بريطانيا، ثم انتقلت هذه الثورة العلمية والتقنية إلى فرنسا ومكنتها من أن تصبح منافسة لبريطانيا وفائدة للعالم، وما يميّز هذه الفترة وهي القرن الثامن عشر البدء باستعمال وكتابة اللغات المحكية بدلاً من اللغة اللاتينية، وبذلك بدأت اللغة اللاتينية تفقد سيطرتها، فمنذ 1680 – 1690 بدأ الغرب يكتب بالعامية وهو ما أدى إلى ظهور الآداب وبخاصة أدب المراسلات، ومن هنا بدأ الإنسان الأوروبي يملك عن نفسه وعن العالم نظرة أو رؤية جديدة مفادها أن الإنسان يمكن أن يبلغ على هذه الأرض قدراً من الكمال وأنه يمكن لـه من خلال عقله أن يعرف العالم، لذلك سمي هذا القرن بقرن الأنوار أو عصر التنوير..

لقد كان عصر التنوير عصر التحول من الفكر الديني إلى الفكر الدنيوي وتحول الدين إلى عنصر من عناصر الحياة ولم يعد كما في السابق يمثل الحياة أو أنه هو الحياة، بل جزء من الحياة، حيث بدأ الفلاسفة بوضع كتب في نقد الدين ومنهم (جون لوك) الذي وضع كتاباً بعنوان ” معقولية المسيحية “، حيث اعتبر أن الدين أساس الأخلاق، كما انتشرت فكرة التسامح ولـ (جون لوك) أيضاً رسالة في التسامح، كان نقد الدين في تلك الفترة والدعوة إلى التسامح يقومان على الإيمان بالعقل وبقدرته، والنقد الذي تميز به عصر التنوير، رافقه عنصر آخر قرين به،وميزه عن بقية العصور وهو” السخرية والهجاء “، كما تميز عصر التنوير بأنه عصر عالمي.

وعد اجبرات

المدير العام لموقع زين بوست، محررة وباحثة.

View All Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *