سقراط

سقراط

سقراط

“إعرف نفسك”

السوفسطائيون

هم علماء لغويين، كانوا أول المعلمين لفن النثر الإقناعي وكانوا أول المنهجيين، ويمكن أن نعتبرأول العلماء في الإنسانيات، ولكن لا نستطيع تسميتهم بالفلاسفة و يمكننا أن تعتبرهم على صلة بالفلسفة قديمها وحديثها معاً.

كانوا مهرة في الإقناع جداً بحيث استخدموا الحجة المناسبة للشخص المناسب في الفرصة المناسبة، ويدخل علم النفس في هذا المضمون، وكانوا يرفضون النقاش المجاني ويتقاضوا أجراً للمناقشة أو التدريس!

ظهرهنا سقراط  متجولاً في الشارع، سائلاً المارة ويتظاهر بعدم المعرفة، ويخرج المعلومات منهم مستخدماً فن الديالكتيك ” وهو فن توليد العقول”.

هو أول من قال أنا محب الحكمة “Philo Sophi”

لم يكن سقراط محبوباً عند الشعب الأثيني ففي ظل الإضطرابات التي كانت بأثينا وعند حلول حرب البلونيز؛ وفي أعقاب الهزائم العسكرية التي حاقت بالأثينيين، قام الأرستقراطيون بانقلابات عسكرية بالتآمر مع إسبرطة ونجحوا في إسقاط الديمقراطية مرتين وأقاموا حكماً ديكتاتوريّاً إرهابيّاً هدد حياة الناس وممتلكاتهم بصورة لم يسبق لها مثيل هنا حرضت مجموعة الثلاثين التي حلت محل المجلس (404) التي كان يقودها كرتياس وخارميدس، وللأسف إنهم تلاميذ سقراط، إن ديكتاتوريتهم بدأت بطرد الفقراء والديمقراطيين من المدينة.

سقراط هنا لم يتخذ موقفاً واضحاً ضد هذه الانقلابات، ولم يحتجَّ على عمليات الإعدام التي كانت تتم دون محاكمة لبعض الأغنياء لأخذ أموالهم لدفع نفقات الفرقة لإسبرطة، حتى أنه لم يهرب للانضمام للمعارضة!، بل استعلى على الطرفين وظل مقيماً في المدينة، ربما هذا الذي غذَّى نفوس الأثينيين ضد سقراط، وكان يتعرض للضرب كثيراً وحتى من زوجته! دون أدنى محاولة للدفاع عن نفسه وكان يقول عن زوجته : لقد أوتيت امرأة عنيفة؛ فإذا صبرت عليها واحتملت أذاها هان عليّ ما قد ألقى من الناس جميعاً. وكان يردد جملته المعتادة ” فلو أن بغلاً رفسني فلن أغضب، فمن الصعب أن تأخذ البغال إلى المحكمة” فبنظره لا يوجد إلا معرفة جيدة واحدة وشر واحد؛ وهو ادعاء المعرفة، فهم لايعرفون، الأثينيين لديهم مجرد آراء عن كل شيء، عن كبرياء، عن ضعف، يتحدثون في كل شيء، إنهم لا يعرفون شيئاً، وإن عرفوا فإن معرفتهم ناقصة، فكل ما أعرفه أنا أنني لا أعرف شيئاً، فالمعرفة الحقة لا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق التعريف المطلق؛ فإذا لم يستطع شخص تعريف شيءٍ ما تعريفاً مطلقاً فإنه في الحقيقة لم يعرف ماهية الشيء. المعرفة لا سبيل إليها، ومن ظن غير ذلك فهو مجنون.

سقراط  كما عَرَفنا  ليس أوليجارشيّاً ولا ديمقراطيّاً، بل وقف بعيداً عن الطرفين (أثينا، إسبرطة)، فالحكم بالنسبة له ليس بواسطة القلة أو الكثرة لكن بواسطة (الشخص الذي يعرف أكثر)؛ إن المجتمع البشري ما هو إلا قطيع من الأغنام يحتاج إلى راعٍ يقوده وليس للراعي أن يستشير الرعية بل أن يصدر الأمر، وعلى الآخرين الطاعة؛ وهذا الأمر رفضه الأثينيون، يجب أن نعلم هنا أن هذا بالنسبة لسقراط ليس استبداداً ووضح بأنه يوجد فرق بين الملكية والاستبداد؛ الملكية هي الحكم الذي يقوم على اتفاق المحكومين طبقاً لقوانين الدولة، أما الحكم الذي يفرضه حاكم بإرادته فهذا هو الاستبداد بعينه.

ولا يمكن للحاكم أن يتجاهل النصيحة الطيبة فكيف يمكنه أن يرفض النصح إذا كانت العقوبة تتعلق بإغفال المشورة الصالحة؟ فكل تجاهل للنصيحة الطيبة مقدّر له أن ينتهي بخطأ وعقاب بعده، فلو أنه قتل أحد رعاياه المخلصين لأنه تجرأ وقدّم له هذه النصيحة فهل يظن من يقتل أفضل معاونيه أنه لا يتعرض لأي خسارة؟ أو أن خسارته سوف تكون ضئيلة؟ هل يظن أن هذا السلوك يجلب له الأمان؟ أم يقوده إلى الدمار السريع؟!

أحد الملوك حينذاك كان اسمه (أجاممنون) كان يسميه سقراط  (راعي الشعب)! لأن الراعي يهتم بحاجة غنمه وإطعامه؛ فهناك مصلحة مشتركة بينهم، فهدف الراعي جزُّ الصوف وبيع الغنم لتؤكل لحومها، فالقطيع مصيره محتوم وهو سوق اللحم إذاً؟ لكن الغنم لا تسأل ولا تطلب مشورتها عندما يقرر الراعي أن الوقت قد حان لذبحها، فهنا نسنتنج بأن الغنم لا يمكنها أن تثق بالراعي.

وهذا ما أراد أن يوصله سقراط لكم بطريقة حكم مدينة أثينا الذي تختاره الأغلبية.

إذا حاول سقراط إقناعنا  بكل حرية أن تؤلف خطبة في مدح الحمار الذي يسميه حصاناً، وقال لك إن هذا الحيوان هو أثمن المقتنيات في البيت والحرب، بحيث يمكنك أن تستخدمه للركوب في المعركة، وأنه قادر على حمل الأمتعة ونافع لأغراض كثيرة.

هذا يدعوك للسخرية؛ لأن الحمار ليس حصاناً، ويصعب علينا أن نتخيل أن هناك فلاحاً قد بلغ به الغباء إلى الحد الذي يجعله يشتري حماراً على أنه حصان، مهما كانت البلاغة في خطبة البيع حتى لو كان سقراط البائع نفسه.

فبوجهة نظر سقراط إذا كان الخطيب الذي لا يعرف كيف يفرّق بين الخير والشر يقوم بإقناع دولة جاهلة مثله، ليس عن طريق امتداح  حمار باسم حصان فحسب، إنما بامتداح الشر باسم الخير، وبعد دراسة آراء الشعب يقنعهم بعمل الشر بدلاً من الخير، فأي محصول يرتجى من خطبته بعد البذرة التي غرسها؟

كان سقراط يتجول في المدينة دون أن يفعل شيئاً، إلا أن يحث الشعب شباباً وشيوخاً بألا يهتموا بأجسادهم، بل يهتموا أولاً بالمحافظة على أرواحكم.

إذاً على الشعب الأثيني أن يختار الحاكم المناسب الذي يستطيع أن يدير شؤون المدينة قبل أي شيء!.

حاول سقراط أن يقول “أنه من يريد أن يحارب الظلم فمكانه بين الشعب، مع الناس، وليس في المناصب الرسمية، ومن ناحية أخرى، أنا أكثر نفعاً للمجتمع عندما أعلـِّم الممارسات السياسية الصحيحة لأعداد كبيرة من المواطنين، هذا خيرٌ من أن أمارسها بنفسي، فمن المؤسف أن تصبح محاكم أثينا في خدمة روح الحقد والخوف”.

كان يقول أن أثينا هي دولته، ولقد برهن على هذه الحقيقة في أرض المعركة، وكان يعتقد أن الأرض كبيرة، وأن هناك شعوباً أخرى كثيرة مشتتة حول البحر مثل الضفادع حول البركة، الحكمة ليست احتكاراً على أثينا فقط، كما أن القوة ليست احتكاراً لإسبرطة، والعقل ليس احتكاراً لمدينة كورنث، إن الشعوب الأخرى تمتلك هذه الفضائل، كان يقول “أنا من أثينا ولكن أنا أيضاً إنسان مثلي مثل الجميع على الأرض”.

كحال أي مجتمع ديكتاتوري عند نهوض عقلاء الشعب للمواجه والمظاهرة يكون لهذا العاقل عقاب محتم لأنه قدم النصيحة الطيبة.

كان هذا الكلام كافي لإتهام وإدانة سقراط فقد أتهم بثلاث تهم:

– إفساد الشباب، حيث يعلمهم احتقار الأهالي والحكام.

-أنه لا يعتقد بآلهة أثينا واخترع لنفسه آلهة غرباء (غير وطنيين).

-وأنه عابث بالنظم السياسية القائمة، حيث لا يرضى عنها ويستهزئ بها.

أول ما قابل سقراط  هذه التهم قال:” إنني اكتسبت هذه السمعة لا لشيء إلا لأنني قد أصبت نوعاً من الحكمة، فأنا لا أتكلم بالكذب وبرهاني هو أنني قد كشفت لكثير من أصدقائي عن النصائح التي أعطاها الرب لي، ولم يثبت في مرة واحدة أنني كنت مخطئاً “.

كعادة هذا الفيلسوف الحكيم لم يدافع عن نفسه البته أثناء محاكمته مع أنه كان يستطيع أن ينقذ نفسه من الإعدام، وحاول تلاميذه كثيراً معه ليدافع عن نفسه ولكن كان رد سقراط دائماً ” أنا أريد أن أموت، و أرى في الموت اكتمال التحقق، حيث تنطلق الروح من قيود الجسد وتصبح قادرة على تأمل الأفكار الخالدة التي لا تتغير، ولكي أثبت في ذات الوقت احتقاري لعامة الأثينيين ونظامهم كله”.

كان يجب على سقراط أن يستند إلى مبادئ الديمقراطية الأثينية، وكذلك إلى الحق في حرية الكلام بمعناها الحقيقي، ولكنه لم يستخدم هذا الحق المبني على مبادئ المدينة الحرة التي كان يعتز بها جميع الأثينيين والذي كان يهاجمه، مع أنه كان يملك الحجة القوية في دفاعه أثناء المحاكمة وكان يستطيع برهان أن أتباعه ليسوا جميعاً من الأرستقراطيين أعداء الديمقراطية، فقد كان من بينهم ديمقراطيين أيضًاً، فالمحاكم الأثينية حينذاك كانت تتأثر تأثراً شديداً بسحر الخطب البليغة، وقد حكَمَتْ على الكثير من الأبرياء بالموت، في حين برَّأتْ كثيراً من المذنبين لأن دفاعهم القوي أثار الشفقة وكان خطابهم في غاية الفطنة والدهاء! ومع أن سقراط أعد خطاب شديد الحنكة والحكمة و لكن روحه المرشدة تتدخل في تصرفاته، وكان يقول أن الصوت الإلهي في داخله قد نصحنه بأنه من الأفضل له أن يموت قبل أن يدرك متاعب الشيخوخة، وأن المحاكمة هي فرصته للانتحار بطريقة تدعو للسرور عن طريق تجرع السم (هي الطريقة الأثينية المعروفة في تنفيذ حكم الإعدام).

الخطاب

” أيها القضاة أيها الحاكمون، أنتم لا تقاضونني من أجل شيء فعلته؛ بل من أجل شيء قلته وعلمته، أنتم تهددوني بالموت لأنكم تكرهون آرائي وتعاليمي، هذه محاكمة للأفكار وهذا شيء جديد في تاريخ مدينتنا، أيها القضاة، تقولون إن آرائي كانت تفسد الشباب وتدفعهم للشك في الديمقراطية، و”كريتباس” يخشى أن أقودهم للشك في الديكتاتورية، فإلى أي حد إذاً تختلفون أنتم عن الديكتاتور الذي أزحتموه منذ وقت قريب؟ تقولون إنني كنت معلماً “لكريتباس” وأنتم تتصرفون وكأنكم تلاميذ لـه، كانوا هم يخافون آرائي وأنتم تخافوها أيضاً لكنهم على الأقل لم يزعموا أنهم من عشاق حرية الكلام، أيها القضاة، تقولون إنني أبديت عدم احترامي لآلهة المدينة، فاحذروا أن ترتكبوا إثم هذه الإهانة بحكم عليّ بالإدانة، كيف تكرمون “بيثو” في حين تقمعون الإقناع وتصادرون الأفكار المخالفة؟ ألستم بهذا تعصون “زيوس أجورايوس” إله المناقشات ذاته عندما تقيدون حرية المناقشة بإدانتي؟!”

حاول تلاميذ سقراط أن يقنعوه بالهروب والذهاب إلى إسبرطه وحتى هذا لم يجد نفعاً قائلاً: ” لا، لن أواجه الشر بالشر، إنني لن أخالف القانون، ولو حتى من أجل أن أنقذ نفسي من حكم الإدانة، إني أراه غير عادل”. مع أنه من المعجبين بإسبرطه ولكن كونه فيلسوف ولم يكن الفلاسفة موضع ترحيب في إسبرطة بل كانوا يهرعون جماعات من كل أنحاء اليونان إلى أثينا، ولكن لا يوجد أحدٌ منهم ذهب إلى إسبرطة أو كريت، إذا لم يكن في أي بلد فيهما سوقٌ للأفكار وكانتا كلتاهما تنظران إلى الفلسفة نظرة شك وارتياب.

فحتى لو حاول طرح أسئلته الفلسفية في إسبرطة لحكم عليه بالسجن أو بالطرد، إذ إنهم للأسف يتظاهرون بالجهل حتى لا يكشف أحد أن ذلك يتم بواقع الحكمة حتى أنهم تفوّقوا على بقية الإغريق إنهم يفضلون أن يظن الناس أن تفوقهم راجع إلى القتال والشجاعة، متصورين أن اكتشاف السبب الحقيقي سوف يدفع الآخرين إلى ممارسة هذه الحكمة.

ومع هذا نجح تلاميذه باقناعه بتقديم الدفاع عن النفس ولكن المفاجأة كانت في المحكمة.. المكونة من خمسمائة عضو من المحلفين، وبعد أن ألقى سقراط دفاعه المعروف جرت المداولة والتصويت وسقراط لم يأبه، فكانت النتيجة هي (220) صوتاً في جانب البراءة و(280) صوتاً في جانب الإدانة، ولكن الغريب أن سقراط كان متفاجئاً بأن كثيراً من الأعضاء قد أعطوا أصواتهم لصالح البراءة!

إن محاكمة سقراط محاكمة للفكر، لو أن سقراط أدار دفاعه على أنها قضية خاصة بحرية التعبير واستشهد بالتقاليد الأساسية للمدينة لاستطاع بسهولة أن يحول المحكمة المضطربة إلى صالحه.

ثار تلاميذه ومن ضمنهم شاب كان يتجول في الشارع قائلاً: ” لو أن الفلاسفة ليسوا هم رؤوس الدولة أو رؤوس الدولة ليسوا هم الفلاسفة، فستستمر الأمور في أثينا من سيء إلى أسوأ “.

إنه أفلاطون.

وهكذا رحل سقراط عن الحياة.

وعد اجبرات

المدير العام لموقع زين بوست، محررة وباحثة.

View All Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *