المدرسة الرواقية

المدرسة الرواقية

المدرسة الرواقية

تأسست المدرسة الرواقية على يد (زينون الستيومي) في القرن الثالث ق.م، وكان مذهبهم الأساسي هو الأخلاق، وذلك بعد أن كان زينون ماديَا؛ لأنه مع مرور الزمن أصبح تركيزهم على المادية يضعف بسبب تأثرهم بالأفلاطونية الجديدة، أما مذهبهم الأخلاقي، فلم يتغير إلا تغيراً ضئيلاً جداً، وأقصد هنا بالأفلاطونية الجديدة (أفلوطين)الذي كان يتأمل بفكره عالماً آخر خالداً، قوامه الخير والجمال، وذلك لما شهدته فترته من أحداث قاسية، أما اتفاقه مع الرواقيين فهو خاص بوحدة الوجود، فهو من قال بفكرة الجدل الصاعد والنازل أي إن الموجودات لا تتحد إلا إذا اتحدت مع الواحد، و الواحد يجب أن يربطها، هذا كان اتفاقه مع الرواقيين بموضوع وحدة الوجود. فالموجودات والنفس والعقل يوجد فوقها وحدة أكبر منها سمواً.أما بخصوص المادة الفاسدة لا تليق بالإله، الإله يفيض عقل ولمرة واحدة، فهو يعتبر أن الأشياء كلها شبه الخط المستقيم من أعلى إلى أسفل، كل نقطة درجة أكبر من التي تليها، إلا أن الخط متصل، فالواحد يفيض فيضاً واحداً إلى العقل، ثم النفس الكلية فالإنسان يأتي بعدها الحيوان والمادة، وهذا يعني أن الله وصل لدرجة من الكمال فاض بها إلى أن نشأ هذا الكون  ليخرج لنا بنظرية الفيض التي تأثر بها ابن سينا.

بداية الأخلاق كانت عند اليونان، فالرواقية فلسفة جاءت من خارج اليونان إلى اليونان، وإن كان لها وجود قوي داخل اليونان، ولهذا عادة ما يقسم المؤرخون المذهب الرواقي إلى قسمين: رواقية يونانية / رائدها زينون، ورواقية رومانية / رائدها أبيكتاتوس سينِكا.

ويجب أن لا ننسى أنّ للكلبيين أهمية كبرى في نشوء الرواقيين، فلقد ولد زينون في جزيرة قبرص أصلاً، ثم انضم للكلبيين بعد أن حطت سفينته على شاطئهم وسبب تسميتهم بالرواقيين؛ لأنه اعتاد أن يجمع تلامذته في رواق، وأثرت فلسفته تأثيراً عظيماً على الثقافة الرومانية من بعده، فلقد ساهم الرواقيون في نشر الثقافة والفلسفة الإغريقية في روما، كما فعل الفيلسوف والخطيب (سيشرون 106– 43 ق. م)، الذي ابتكر مفهوم ” الإنسانية “، كفلسفة مركزها الإنسان، كما أعلن بعده الرواقي الآخر (سينيكا) بأن الإنسان شيء مقدس للإنسان، عبارة أصبحت شعار الفلسفة الإنسانية في كل المراحل التالية.

لقد تأثر زينون بالكلبيين وهو مذهب فلسفي تم تأسيسه في القرن الرابع قبل الميلاد على يد الفيلسوف “أنتيتنز” وهو أحد أتباع الفيلسوف سقراط، الذي يرى أن الشخص الحكيم هو الذي ينظر باحتقار لكل الرغبات المألوفة في الحياة ويعيش مرتاح البال، وأكد أن السعادة الدائمة أمر غير ممكن ما دامت للشخص حاجات ورغبات لا يستطيع إشباعها، وهو غير مقيّد بأية التزامات نحو المجتمع أو الدولة أو الأسرة، لأن هذه الأشياء تولـِّد رغبات لا يمكن إشباعها.

ومن أشهر الفلاسفة الكلبيين ديوجين الرودسي وهو أحد أتباع “انتيتنز” إذ اتبع الفلسفة الكلبية إلى درجة التطرف وكان وضعه لا يبشر بالخير حيث كان متشدداً.

هنا أنشأ ” زينون ” الفلسفة الرواقية باعتبارها في الأساس مذهباً كلبيّاً، وساد هذا المذهب في أواخر القرن الرابع وبداية القرن الثالث ق.م.

ففي القرن التاسع عشر تغيّر مفهوم الكلبية ليعني سلبية شديدة وارتياب عام في نزاهة دوافع الآخرين خصوصاً في القيام بالأعمال الأخلاقية، ويمكن أن تتجلى الكلبية في الإحباط وخيبة الأمل وغياب الثقة تجاه المنظمات والسلطات ونواحي أخرى من المجتمع، فبكل الأحوال نشأت الكلبية من خلال الصراعات الدولية القومية والاقتصادية وظهور الأحزاب السياسية وتنوع المذاهب الدينية، حيث كانت أهم أسباب نشوئها قضية الشك والرفض والإنكار، وكما أن هناك عوامل أدت إلى الكفر من خلال مبدأ تكوين رأي خاص، وكان هذا الشيء يعارض الدين والدولة آنذاك.

أما سبب هذه التسمية لهم؛ فـتفاوتت الآراء، فتشير بعض المراجع إلى أن الاسم “كلبي” نسبة إلى (سينوسارغس) وهو أسم في أثينا حيث التقى فيه ” الكلبيون ” لأول مرة، وتشير المراجع الأخرى إلى أن الاسم مستمد من الكلمة اليونانية التي تعني ” كلب ” وأنها إشارة إلى السلوك الفظ الذي يتصف به الكلبيون ووقوفهم في وجه المجتمع الفاسد ليتخلى عن حماقاته، ولكن على الأغلب فإن السبب الرئيسي لهذه التسمية هي وجود جماعة عاشت حياة كالكلاب أي متشردة بلا طعام ولا مأوى مثل المتسولين، حيث عاشوا فقراء في الشوارع يأكلون وينامون فيها وحتى أنهم يقضون حاجاتهم فيه، وكانوا معارضين للثروة والمال وكانوا يعتبرونه ” شرّا ” أي عدم امتلاك شيء والعيش في البرية بحرية دون أي ضغوطات أو تقيدات أو مسؤوليات ضاغطة، العيش بحرية كما يفرضه العقل، فـديوجين الكلبي ” كان يجلس على إحدى الشواطئ مستلقياً لا يأبه بالعيش مع المجتمع، فقد كان فقيراً، وعند فتح الإسكندر المقدوني لبلاده توجه إليه ووقف أمامه وكان يعلم أنه حكيم وشاعر ويريد استغلال حكمته وشعره ليقوم بمدحه، فعرض عليه أن يطلب منه ما يريد، فردّ عليه ديوجين ” أرجوك لا تحجب الشمس عني ” فكان يريد هنا إيصال حكمة، بأنه مرتاح ومستمتع بأشعة الشمس، فطلب ديوجين منه أن يُبقي له على الأقل أشعة الشمس!

علاقة الإنسان بالكون الفسيح

تأثر الرواقيين بـ هيراقليطس ووقفوا في صف سقراط ضد السوفسطائيين.

فكل البشر يشكلون جزءاً من العقل الكوني الـ Logos، وكل فرد هو عالم مصغّر أي ” عالم صغير ” يشكل انعكاساً لـ ” العالم الكبير ” وهو الكون، مما يسمح بإقامة قانون يصلح لكل الناس ” القانون الطبيعي ” المبني على العقل الأزلي للإنسان وللكون الذي لا يتغير بحسب الزمان والمكان، فهذا القانون مبنيّاً على العقل الأزلي للإنسان وللكون، فهو واحد لكل الناس، حتى العبيد، و لا يرى في كتب القوانين المختلفة  إلا نسخاً باهتة من” قانون الطبيعة “، ومع أنهم  لغوا الفارق بين الفرد والكون، وأيضاً لغوا أي تعارض بين المادة والروح، فليس هناك إلا طبيعة واحدة، ونطلق على هذا المفهوم تسمية ” الأحدية ” أي وحدة الوجود.

 ومع أنهم كانوا منفتحون على ثقافات عصرهم أكثر من الكلبيين، فركزوا على الطابع الاجتماعي للإنسانية، واهتموا بالسياسة، فلعب الكثير من الرواقيين أدواراً هامة في السياسة، مثل الإمبراطور ماركوس أوريليوس.

أعتقدوا أن كل الظواهر الطبيعية كالمرض والموت، تتبع القوانين الدائمة للطبيعة، لذا على الإنسان أن يتصالح مع قدره، فلا شيء يحصل مصادفة، كل ما يحصل هو ثمرة الضرورة، فلا فائدة من التذمر والشكوى عندما يدق القدر الباب، كذلك يجب أن يتلقى الإنسان الحوادث السعيدة في الحياة أيضاً بأكبر قدر من الهدوء، هنا يبرز تقارب بينهم وبين الكلبيين الذين ادعوا أن لا أهمية ولا تأثير لكل ما هو خارجي، يطلق اليوم تعبير ” هدوء رواقي ” على الإنسان الذي لا ينجرف مع عواطفه.

فهم يبجلون الطبيعة بوجه عام، ويهتمون بالناحية الأخلاقية، ولكن كانت لهم رؤية حول نشأة الكون، فتبنوا مبدأ الاحتراق الكوني، وأن الصدفة لا وجود لها، وأن مجرى الطبيعة محدد تحديداً كاملاً بفعل القوانين الطبيعية، فقد كانت النار أول الأمر هي وحدها العنصر الموجود، ثم ظهرت سائر العناصر (الهواء، الماء والتراب) على التوالي، ظهرت هذه العناصر شيئاً فشيئاً، لكن النار ستعود فتلتهم الكون بأسره، عاجلاً أم آجلاً، وبالنهاية يعود كل شيء إلى الحالة النارية من جديد، ولكن بالنسبة لهم ليست هذه الرجعة إلى النار، بل هي ختام دورة واحدة، وستعود العملية نفسها من جديد في دورة أخرى، ثم تعود وتعود إلى ما لا نهاية من الدورات، فكل ما يحدث الآن  قد حدث فيما مضى، وسيعود إلى الحدوث من جديد، لا مرة واحدة، بل مرات لا يحصرها عدد.

نادى بنظرية المدينة العالمية، وافترض بعض التنظيم والأسس اللازمة لهذه المدينة ولكن هذه المدينة ليس لها علاقة بمدينة أفلاطون، نظر زينون نظرة إلى أبعد من أفلاطون وأرسطو،فهم أخضعا الفرد للدولة، أما هو فقد أحلل الإنسان محل المواطن، واعتبر الإنسانية أسرة واحدة، أعضاؤها من البشر جميعاً، وكذلك ابتعد عن الكلبيين أكثر الذين كانوا أكثر عدوانية تجاه دولة المدينة منه حماساً للمدينة العالمية. (الوحدة الإنسانية)في هذه المدينة يعود للذي يسكن فيها” الآلهة والبشر”، زينون يؤمن بالإله الواحد لهذا الكون ولـه أسماء عدة (العقل، زيوس، القانون)، وهو موجود حي خالد وعاقل، كامل السعادة، يولي عناية تامة بالعالم وبكل ما يوجد بداخله، إنه الصانع والمدبر للكون، وما دام كان كذلك فإنه أب للجميع في مجمله وأجزائه، إنه روح العالم، يعتبر الساكن الأول للمدينة، أما الآخرون فبما أنهم آمنوا بوحدة الوجود وبوحدة الإله المدبر لـه، فإنهم قد آمنوا بوحدة الإنسانية جمعاء، رغم اختلاف أفرادها في الشكل والأعراف واللغات، فهم يتشاركون في امتلاك العقل الذي هو مستمد من التعقل الإلهي، لذلك فهم ينتمون إلى أب واحد، وإنهم في النهاية يشتركون بعقل واحد، وهو الإله الموجود الأوحد الذي تخرج الأشياء جميعاً منه وتعود إليه، وهو الكل المنظم والمرتب من الأجرام السماوية والأجسام، وإنه على هذين الجزئين معاً.

وأهم أسس هذه النظرية هو (وحدة الوجود)؛ فالنار هي المادة الأولى للوجود.

وهذا ارتداد إلى فكر (هيراقليطس)، فهي تخرج منها الأشياء، وتعود إليها من جديد؛ فإن كل شيء عنده هو مادي حتى الفضائل والمشاعر والنفوس والآلهة كلها كائنات مادية، وحتى الروح، فلو كان الله لا جسمانيّاً، فكيف سوف يؤثر في الأجسام التي يتألف العالم منها؟ إن العالم مدينة مواطنوها الآلهة والبشر، وهناك وحدة شاملة تربط أجزاء الوجود في رباط وثيق.

” إن الإله سار في العالم المادي كما يسري العسل في أقراصه “، إنه الرئيس الأعلى لحكومة الكون، وفي كل جزء من أجزاء الكون قبس من “النار الإلهية ” حتى نحن فينا جزء من الآلهة”.

النفس هي الجزء الإلهي في الإنسان، وكل الأشياء أجزاء  في ” كل واحد ” مترابط هو الطبيعة، فالطبيعة تفرض نفسها وأما في حالة العيش وفقاً للطبيعة، فهم لا يكتفون بوحدة الإنسانية بل يؤمنون بوحدة النفس الإنسانية؛ ويرفضون أقسام النفس عند أفلاطون، ويؤمنون بوحدتها مثل أرسطو ” كلٌ واحد ” لا يتجزأ، فهي عقل خالص، وليست الشهوات سوى أمراض العقل نفسه!

فمن لا يصغي إلى قوة الطبيعة ويخالفها هو تعيس، لأن هناك توازِن بين فعل الخير والفعل بمقتضى الطبيعة، فأن تكون الفلسفة عملية  تعني هنا الإصغاء إلى الطبيعة، وبالتالي (العقل هو من سيرشدك إلى الطبيعة).

لهذا يجب علينا اتباع النظام الإلهي المفروض لهذا الكون، والذي يحدد لنا ما الذي ينبغي أن نفعله، فنحن خاضعون للطبيعة “فاصغ إلى الطبيعة فهي سترشدك”.

أما المنطق وأساليب المنطق من الممكن ألا ترشدنا إلى الحقيقة بشكل دقيق، وبالتالي يجب أن يكون هناك توافق بين العقل والطبيعة من جهة وأن نعتمد الطبيعة وقوانينها من جهة أخرى، فالفلسفة عنده هي الجمع ما بين الأمور الإلهية والبشرية معاً ، ولا يفصل بين ما هو إلهي وما هو بشري بل جمع بينهم، لذلك فإن الفلسفة تشبه البستان (المنطق هو جدران هذا البستان، الفيزياء هي أشجاره، الأخلاق هي ثماره).

كل حقيقة عنده تتألف من قسمين (قسم منفعل، وقسم فاعل)، فالمنفعل هو المادة الجامدة (التراب والماء)، أما الفاعل هو مؤلف من عناصر فيها قوة مثل (الهواء والنار)، وبما أن النار عنصر رئيسي ، فهذه النار هي عاقلة موجودة بالوجود كله، وبالتالي فإن هناك فئتين من البشر: فئة تشعر بسلطة وقوة النار في داخلهم، وفئة تنطفئ النار في داخلهم بسهولة، أو انطفأت منذ زمن، و الفئة التي لا تزال تشعر بسلطة وقوة النار في داخلهم، هم الذين يحتفظون بالشرارة الإلهية في حياتهم وقلوبهم، وهؤلاء لا يفنون بعد الموت، بل يشتركون مع النار الإلهية ويصبحون أجزاءً منها بعكس الفئة الأخرى التي لا تعود إلى الوجود، فهذا الكون فيه نظام غير عشوائياً فهذه النار الإلهية لا تسمح للعالم والكون بأن يتخبط وأن يسير بعشوائية، فهي موجودة في كل جزء من هذا الكون وتجعله يسير بانتظام.

يجب الإيمان بسيادة الحب على الوجود، و اجتماع الناس على الحب والصداقة بالروابط في ما بينهم.

فالرواقيين بالفعل يسيرون أبعد من أفلاطون الذي اكتفى بالقول بوجود مشاركة بين العالم المحسوس والعالم المعقول، وأقرب الفلاسفة إليهم هو”هيراقليطس ” وكذلك ” أتكساجوراس ” في قوله بالمتشابهات.

وعد اجبرات

المدير العام لموقع زين بوست، محررة وباحثة.

View All Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *