لماذا يتجه الناس إلى علم النفس الزائف؟

لماذا يتجه الناس إلى علم النفس الزائف؟

“لماذا يتجه الناس إلى علوم النفس الزائفة؟” أو ما تسمى Pseudo psychology.

يقول الأخصائي أسامة الجامع في عام 2015 حضرت مؤتمراً للاضطرابات النفسية عقد في اسبانيا، والتقيت هناك بالبروفيسور John Norcross وكانت اطروحته عن علوم النفس الزائفة وهذا المصطلح ترجمة حرفية لـPsudopsychology. وأفضّل ترجمتها إلى العلوم المفتقدة للأدلة والبراهين.

استعرض البروفيسور في المؤتمر وأمام جمع من المختصين في العلاج النفسي والمهتمين مجموعة منها كعلوم الطاقة، الريكي، لغة الجسد، الجرافولوجي، البرمجة اللغوية العصبية، الأبراج، الحرية النفسية… الخ، لكن لماذا أطلق عليها هذا المصطلح.

لماذا يتجه الناس إلى علم النفس الزائف؟

عندما نقول أن هذا العلم مثبت علميا فهذا يعني أنه أمكن اختباره، وضعت عليه داراسات أثبتت فعاليته، مثل تقنيات العلاج النفسي، التي أثبتت بالأدلة والبراهين أنها تعمل، ونشرت تجاربها عبر بحوث علمية، وجرى التصديق عليها في المحافل العلمية المعتبرة.

هل هذا يعني أنها زائفة باستمرار، في الواقع لا، إذا اثبتت تلك العلوم نفسها بالبراهين والأدلة تم الاعتراف بها مثل “التيقظ الذهني” الذي جرى إدخاله ضمن العلاج النفسي بعد سلسلة من البراهين والأدلة، المعيار هي الأدلة العلمية وليس الميل العاطفي.

اشتهر مصطلح Evidence based practice أي الممارسات والتقنيات المبنية على الأدلة والبراهين، وتم حذف الاجتهادات الفردية التي لا تستند إلى دليل علمي حفاظاً على صحة الناس.

بل أن هناك عددا من تقنيات العلاج المعرفي السلوكي كانت تستخدم سابقا ثبت بالبحث العلمي أنها عديمة الجدوى أو لا تصلح في مواضع معينة، عندما حضرت في عام 2017 المؤتمر الأوروبي للعلاج النفسي تحدث Paul Salkofski عن خطأ استعمال تقنية الاسترخاء مع مصابي نوبات الهلع مثلا.

لماذا يتجه الناس إلى علم النفس الزائف؟

نأتي إلى علوم النفس الزائفة، فهي خالية من الضوابط العلمية، لا يمكن اثباتها بالتجربة العلمية، تفتقد لأدلة علمية تدعمها، فشلت في إثبات نفسها في المختبرات العلمية، وهي خالية من الصدق والثبات، أما لماذا تلقى رواجاً بين العامة فإليكم بعض النقاط.

اولاً اللغة السهلة: كلما كان ما تقدمه سهلا وسطحيا ويلمس آلام الناس كان رواجه أكثر، الناس لا تريد لغة علمية عميقة، بها أرقام أو مصطلحات صعبة، لذلك التنظير لغير المتخصصين ممل.

ثانياً الحلول السريعة: يستغرق العلاج المعرفي السلوكي عدة جلسات قد تمتد لشهور للتخلص من الوسواس القهري أو الاكتئاب، وعندما أقول للناس أستطيع أن اخلصكم من آلامكم خلال دقائق فإنك ستجد آذاناً صاغية فالمتألم يتعلق بقشة.

ثالثاً مهارة التواصل: يتمتع من يقدم هذا النوع من العلوم بمهارة تواصل عالية، بسبب خلفيته كمدرب على المسرح أو قدرته على التمثيل أو القصص المشوقة، بينما لا يتمتع الأكاديميون بهذا المستوى فهم مشغولون بالبحوث العلمية ولغتهم صعبة وطريقتهم في الإلقاء أكاديمية بحتة.

رابعاً العجائب والغرائب: كلنا ينجذب للأخبار الغريبة، هل تذكرون مثلث برمودا والصحون الطائرة، التي بنت عليها أفلام هوليود بعض أفلامها، الواقع العلمي بطيء وبعض طرحها ممل، فكلمات مثل الطاقة، والشاكرا، والشفاء في دقائق، وحركات الجسم العجيبة هي اطروحات جذابة وممتعة.

خامساً قلة المنابر العلمية: كم شخص ينشر العلوم المثبتة بالأدلة للناس بلغة سهلة بعيدا عن التنظير!، القنوات الفضائية قلما تستضيف معالجاً نفسيا لكنها قد تستضيف عدة أشخاص يقولون لك “كن ثريا في ثلاثين يوما”، لغة التشويق السطحية أكثر رواجا من لغة العلم العميقة، وأرقام المشاهدات أكثر.

سادساً المعلومات الصحيحة: بعض تلك العلوم تحمل معلومات صحيحة مأخوذة من علم النفس ابتداء، في التعامل مع الأفكار والمشاعر والسلوك، فيعتقد الناس أنها ما يطرح هو علم نفس وهو ليس كذلك.

سابعاً قلة الوعي والعلم: هناك من يفتقد للتفكير الناقد، أو البنية العلمية السليمة، أو لا يقرأ، فينقاد بسرعة للوجبات الجاهزة، بعض الناس مصابين باضطرابات نفسية فيلجأ لتلك العلوم، بعض الناس يبحث عن نفسه، ويبحث عن معنى في الحياة فيتجه لتلك العلوم لعله يجد ما يشبع غليله.

ثامناً الوجبات السهلة: تطبيق تقنيات العلاج المعرفي السلوكي مثلا تتطلب وقتاً وصبراً وتحملاً للألم مثل مواجهة المخاوف تدريجياً والتحدث عن الصدمة، بينما تلك العلوم الزائفة تطبيقاتها سهلة فيمكنك عبر تمرير يدك في منطقة معينة أو الطرق في جزء من جسدك تحصل على نتائج مزعومة.

لماذا يتجه الناس إلى علم النفس الزائف؟

في النهاية سافرت لعدة دول “اسبانيا، سلوفينيا، بلغاريا، بريطانيا، كندا” لحضور مؤتمرات ودورات في العلاج النفسي وفي كل مؤتمر أحضره لم أجد اطروحة واحدة لتلك العلوم الزائفة فهي خارج النطاق العلمي وغير مرحب بها.

مع ذلك لا أهاجم من أراد تعلمها فهي حرية شخصية وأنا ضد لغة الهجوم، السخرية، والاتهام سواء من يتعلمها أو من يعلّمها، فبعض الناس هي مريحة له ويحب تعلمها، وهذا أمر يخصّه، المهم عدم الاقتراب من العلاج النفسي فهي صحة الناس ومصائرهم، وبث الوعي مطلب.

يمكنكم متابعة او التواصل مع الأخصائي أسامة الجامع عن طريق صفحته في تويتر.

اقرأ ايضاً للأخصائي أسامة الجامع
التعايش مع عدم التأكد
الإنصات إلى المريض في الطب النفسي

رمزي الصقار

المدير التنفيذي لموقع زين بوست، كاتب ومفكر.

View All Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *