ميشيل فوكو

ميشيل فوكو

ولد سنة 1926 وتوفي سنة 1984، و عاش في فرنسا ابناً لجراح مشهور، أمه كانت متدينة وكان يستمتع بممارسة الطقوس الدينية معها.

تطرق في كتاباته حول الأنوار إلى تساؤلات الناس في القرن التاسع عشر حول العقل وإمكانية أن يصل إلى حد الإفراط  في قدرته، وتحول بهم الأمر إلى القلق الذي كان ينتابهم حول المخاطر المؤثرة على الفرد وحرياته وعلى الجنس البشري وبقائه، فكان دور الفلسفة منذ كانط هو منع العقل من تجاوز حدود ما هو معطًى في التجربة، لكن ومنذ ذلك الوقت، أي مع انتشار الدول الحديثة والتنظيم السياسي للمجتمع صار دور الفلسفة أيضاً أن تراقب إساءة استعمال سلطة العقلانية السياسية، مما يكسبها أملاً بحياة واعدة كفاية.

التعقل

كلمة عقلنة كلمة خطيرة كانت بالنسبة لفوكو؛ فعندما يحاول البعض عقلنة شيء ما لا تكون المسألة الأساسية أن نبحث في إذا ما كانوا يتقيدون بمبادئ العقلانية أم لا، بل أن نكتشف إلى أي نوع من العقلانية يلجؤون، ويكمن دور السلطة هنا باعتبارها ليست جوهراً وليست حقيقة تحتاج للتنقيب عن أصولها؛ بل هي عبارة عن طراز خاص من العلاقات بين أفراد معينين، وهذه العلاقات محددة. وبتعبير آخر: ليس لها أي صلة بالتبادل والإنتاج والاتصال، فحتى لو كانت العلاقات مقرونة بالتبادل والإنتاج والاتصال، فما يميز السلطة هو أن بعض الأشخاص يمكنهم بصورة شبه كلية أن يحددوا تصرف أشخاص آخرين؛ فالإنسان المستعبد المهزوم يخضع للقوة التي تمارس عليه، لا للسلطة، لكن إذا استطعنا جعله يتكلم فيكون ملاذه الأخير ضبط لسانه مفضلاً الموت؛ فهذا يعني أننا دفعناه إلى التصرف بطريقة معينة، حينئذ تكون حريته قد أخضعت للسلطة وأخضع كذلك للحكم؛ فإذا استطاع فرد ما أن يبقى حرّاً، فإنَّ حريتَه مهما كانت محدودة فبوسع السلطة أن تخضعه للحكم، وليس هناك سلطة بدون رفض أو تمرد بالقوة.

السلطة بالنسبة له ليست جوهراً وليست صفة خفية ينبغي التنقيب عن أصولها، السلطة ليست سوى طراز خاص من العلاقات بين أفراد معينين وهذه العلاقات محددة ليست لها أي صلة بالتبادل والإنتاج، وإنَّ انتقاد السلطة الممارَسَةِ على المرضى العقليين أو المجانين لا يمكن أن يقتصر على مؤسسات التحليل النفسي، فحاول من خلال دراساته أن ينتج عملية جديدة لنقد العقل من خلال تقسيم العقل إلى عنصرين: العقل، واللاعقل؛ فقد اعتبر أن نفي العقل هو الذي يدل على وجوده، وحاول تطبيق العقلانية على مجالات الحياة المختلفة، كالجنون والمرض والجنوح… إلخ. وبالنسبة لموضوعه الجديد حول نقد العقل، طرح ظاهرة الجنون التي تم فهمها بالفكر الغربي منذ القرن الثامن عشر فقط داخل ظاهرة المرض العقلي، بينما يجب اعتبار الجنون ظاهرة مكملة للعقل، فتحليلاته جعلت المرض العقليِّ ظاهرة صحية، وفي الوقت نفسه مثالاً على التهميش والاستبعاد، ولعل تشكل العقل هنا لا يمكن أن ينفصل أبداً عن تشكل الجنون.

فكان هناك ثلاثة وجوه للعقلنة التي تتصل بالعلم والتكنولوجيا والسياسة والأخلاق:

  • الأول فسر العقلانية التقنية بأنها تلك العقلانية التي ينحصر دورها في خدمة التطوير المستمر للقوى المنتجة، إضافة إلى الاستعانة بها داخل أروقة اتخاذ القرار السياسي.
  • الثاني عقلانية الدولة؛ فهي التي تقوم بفرض مختلف أشكال المحكومية، وكل ما يتعلق بتنظيم الرقابة المجتمعية وإجراءاتها شديدة التعقيد.
  • الثالثة عقلانية السلوك؛ والتي تقوم بتحديد وضبط المعايير الاجتماعية داخل مجتمع ما، فتتحد الأعراف والقيم وتميِّز بين الصحيح والمنحرف.

فلسفات ما بعد الحداثة

تشترك هذه الفلسفات بفكرة رفض العقل واستبعاده و فسّر هذا الموقف على أنه ردة فعل على التواطؤ الذي حصل في العلاقة بين العقلانية من جهة وبين استغلال السلطة السياسية لها من جهة أخرى.

أما العقلانية لا تتعلق بهجر العقل والابتعاد عنه، ولكن بالاهتمام بالتاريخ النقدي، و ليس رفضاً واستبعاداً للعقل، ولكن محاولة لإعادة النظر في الطريقة التي تم التعامل بها مع العقل، وهذه محاولة لم يتعوّد عليها الفكر الغربي الحداثي بعد، فقد تعامل دوماً مع العقل والعقلانية بمفاهيم الحداثة التقليدية نفسها، تلك التي أعلت دوماً من قيم العقلانية، وتعاملت معها كبديهيّات ومسلمات، ورفضت الخروج عن هذامن هنا يأتي عدم تعاطف الحداثيين مع رؤيتة فوكو هذه الغير مسبوقة!

فلم يفهم أحد دوافعه الحقيقية لتوجهه هذا، مع أنه لا يمكن أن نفصِلَه عن جوهر الحداثة في الغرب! فبحث عن التصدي للعقل الذي تسبب في هذه الأزمة، فاهتمامه هو دراسة الجنون، وهو ما أعتبره نقيض العقل والمنطق والنظام… إلخ. وكل ما يمكن أن يغزوه العقل الذي لا يمكن أن يُفهم بمعزل عن فهم الجنون.

الجنون مرتبط عنده بالعقل، بآلية النظام الرأسمالي الذي يحرص على سلامة العمل والإنتاج واستبعاد من فقد القدرة على المشاركة في العملية الإنتاجية وتهميشِه، وسببُ استبعاد أولئك الذين شذوا عن المجتمع بإدخالهم الملاجئ والمستشفيات النفسية هو عدم قدرتهم على المشاركة في عملية الإنتاج.

وعد اجبرات

المدير العام لموقع زين بوست، محررة وباحثة.

View All Posts

2 comments on “ميشيل فوكو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *