ايمانويل كانط (الجزء االثاني)

ايمانويل كانط

المعرفة

كل المعرفة تبدأ بالتجربة، لا يمكن أن ننشئ معرفة إلا بمعونة التجربة، حاول كانط التوفيق بين التجريبيين والعقلانيين؛ فعمل مصالحة، العقلاني يرفض أن يكون للتجربة دور في المعرفة، بل المعرفة موجودة مسبقاً في العقل، والتجريبي عكس ذلك؛ فهم يعتقدون أن العقل لوح مصقول والتجربة هي التي تنقش المعرفة على هذا العقل، تأثر كانط بالتجريبيين ولكنه تجاوزهم في نهاية الأمر.

كل معرفة لا بد أن تبدأ بالتجربة؛ فهناك ملكات في العقل: ملكة الحساسية، وملكة الفهم، وملكة الزمان والمكان؛ فالحواس تعطينا (معطيات) حسية، هذه المعطيات تذهب إلى ملكة الحساسية، وتنطبع عليها صور المعطيات؛ فالذي يحصل حتى الآن أننا لا نعرف ما هي هذه الصور، فهذه الانطباعات هي أصلاً خليط (مادة خام)، فهنا انتهى دور التجربة؛ الآن يأتي دور العقل بمساحة أكبر تنظيماً في ملكة الفهم، حيث يوجد المقولات وأهمها مقولتا الزمان والمكان، بالإضافة إلى الكم والكيف، فهذه المقولات عقلية مصدرها العقل ومفطور عليها وليست مستمدة من التجربة، ومنفصلة عن التجربة، ثم يأتي دورها من أجل تنظيم ما شاهدته أو سمعته أو أحسست به، وهذه الأمور التي شكلناها تنطبع في الذهن وتصبح خبرة، وتسجل في الذاكرة، وعلى الرغم من أن كل معرفة تبدأ بالتجربة الحسية فإن الذهن البشري لا يستطيع أن يصدر أحكاماً تركيبية قَبــْـلية، فالحكم التركيبي دائماً يكون بَعـْديّاً وليسَ قَبْليّاً، وقد تكون الأحكام التركيبية قبـْلية عندما تدخل الفكرة على المعرفة القبلية في الذهن أو مرّت من خلال معرفة قبلية موجودة أصلاً!

لأول وهلة تبدو العبارة متناقضة؛ لأن كل الأحكام التركيبية هي أحكام بعدية بالنسبة للتجريبيين؛ فكل العلوم الطبيعية تقوم على أساس الأحكام التركيبية البعدية، وفي الغالب النتيجة تتجاوز المعطيات مثل 1 + 3 = 4 ؛ فالنتيجة 4 ليست 1 ولا 3، هذا حكم تركيبي بعدي.

أما الاستقراء يحكم أحكامنا التجريبية البعدية؛ فالقضايا التركيبية قضايا استقرائية ناقصة تبدأ من الأجزاء وتنتهي بالكل؛ ففي الاستقراء ندرس ظواهر متشابهة ونخرج بأحكام تركيبية متشابهة.

الاستقراء هو استخراج النتيجة من المقدمات،والخطوة الأولى في المعرفة هي التجربة، ثم تأتي المقولات الفطرية: الزمان، المكان، الأين، والكيف؛ وهي موجودة أصلاً بشكل قبلي، تصعد هذه المادة إلى ملكة الحساسية التي يوجد فيها مقولتا الزمان والمكان، يحصر هذا التجميع الغرائبي ضمن إطار معين وزمان معين نتج عن التجربة، فلقد أخذنا معطيات حسية نظمناها في المكان والزمان ونحن لا نعرف حقيقتها تماماً.

وهنا تأتي وظيفة الملكات وأولها وظيفة ملكة الحساسية لحصر المادة في الزمان والمكان حتى لا تبقى عارمة في الفضاء فنحن لا نعرف ما هي، فبعد أن تمر مادة المعرفة في الزمان والمكان تصعد إلى ملكة الفهم، وهي مقولات الأين والكيف واللون والنوع والكم، فتتشكل صورة المعرفة هذه ومن ثم تصعد إلى العقل وتصبح معرفة واضحة بالشكل كما عليه الآن؛ فمع أن أحكامنا التركيبية بدأت بالتجربة إلا أن أساسها قبلي.

الأخلاق

كانت لديه آراء ثابتة حول الأخلاق لم يناقش فيها؛ نظرية المعرفة عنده أظهرت اتجاهه النقدي، وقام بالتوفيق بين الحالة التجريبية والمثالية.

الأخلاق عنده بعيدة عن الدين، وفرق بين المعرفة والإيمان؛ لأن مبادئه مستقاة من العقل، وليست من الكتب المقدسة، التي يكون دافعها الواجب نحو الإنسانية، وليس الخوف من العذاب، أو الطمع في الثواب، ولأن المعرفة الإنسانية محدودة فالأخلاق يجب أن تتعدى النظرة الضيقة التي تنحصر في المنفعة الشخصية.

هيوم أيقظه من سباته الدوغمائي؛ فقد كان لهيوم حجة قوية فوضت كل شيء كان يؤمن به، وأيقن أنه لن يحدث أي تقدم في الفلسفة قبل الرد على حجج هيوم وتفنيدها؛ فقد كان هيوم يؤكد على أننا لا نستطيع معرفة الحقيقة إلا إذا أدركناها بحواسنا، وفيما عدا ذلك يترك الباب مفتوحاً أمام كل التوقعات؛فلم يرفض الإيمان المسيحي، أو الإيمان بالمعجزات، لكن القضية برأيه هي في الحالتين، قضية إيمان، لا معرفة أو عقل، لذلك اعتبر كانط بأن العقلانيين بالغوا كثيراً في دور العقل، كما بالغ التجريبيون في الوقوف عند تجاربهم الحسية؛ فكان هيوم يرى أنه من المستحيل الإحساس أو البرهنة بالقوانين البشرية، وخاصة قانون السببية الذي يعتبر أساسيّاً في تركيبة الكائن البشري؛ فقد رفض كانط القبول بذلك، مع أن هذه القوانين موجودة بالنسبة له؛ لأن قدرتنا على المعرفة هي التي تنظم المعرفة، لا الأشياء التي تحددها.

فأعتبر أن العقل لا يكون نامياً ومتطوراً بما فيه الكفاية لدى الطفل الصغير مثلاً؛ لأنه لم يتعرض بعد لحقل تجارب، فكيف يمكن أن نتحدث عن عقل فارغ من أية أدوات؛ فهناك العناصر الخارجية التي لا نستطيع معرفتها قبل أن نجربها، وهذا ما أسماه مادة المعرفة.

كان هيوم يعتبر أن العقل لا يستطيع أن يميز ما هو صحيح مما هو خاطئ؛ لذلك رأى كانط أن القانون الأخلاقي كوني ومطلق، كقانون السببية مثلاً؛ لذا يعجز العقل عن برهنته، لكن ذلك لا يعني إمكان تجاوزه، ولا يستطيع أحد إنكاره، فنحن لا نستطيع تقديم برهان على ما يقوله ضميرنا الأخلاقي، لكننا رغم ذلك نعرفه جيداً.

تأثر بقوانين نيوتن؛ واعتبر أن القانون الأخلاقي مطلق وساري المفعول في كل زمان ومكان ورغب بالدقة والحتمية التي أتى بها نيوتن حول الكون وتطبيقها على الأخلاق، فالإنسان إذا اتبع أهواءه يذهب إلى الخطيئة.

كان سؤاله الأساسي: ما هو الفعل الأخلاقي؟

وأوردنا بإجابته بإن الفعل الأخلاقي هو الفعل النابع بالإحساس بالواجب، وليس من رغبة أو إمكانية تحقيق مكاسب للشخص الذي يقوم بهذا الفعل، أعطانا مثالاً ليوضحالفعل الأخلاق فلو قمنا بإعطاء فقير مالاً، فهل يعتبر هذا الفعل أخلاقيّاً؟

قسّم الأحكام إلى أحكام تحليلية، وجمل تركيبية؛ فالحكم التحليلي هو الذي يحكم على تحليله دون الخروج إلى الواقع، والجمل التركيبية هي حكم على الموضوع لا عن طريق التحليل، بل عن طريق جمع أكثر من معلومة وغالباً ما تشير إلى الواقع.

مع هذا لم يكن لهذين الحُكمين مركز اهتمام بالنسبة له، ولكنه  مهتم بنوع آخر ثالث أسماه: الحكم التركيبي القبلي، هذا النوع من الحكم هو من نوع الأحكام التي تستعمل في العلوم الطبيعية؛ فهو أيضاً يضيف إلى معرفتنا أشياء ولا يقتصر على التحليل، ولكنه في نفس الوقت قبلي؛لأنه يحتوي على مفهوم الضرورة، والضرورة ليست موجودة في التجربة ولا في الواقع، فالضرورة مبدأ حتمي، تقوم على علاقة مباشرة حتمية بين السبب والنتيجة دون توسط بينهما؛ فمفهوم الضرورة موجود في العقل ونحن لم نتعلم مفهوم الضرورة من التجربة، فكل شيء خاضع للتجربة إلا الفعل الأخلاقي. وواجب الإنسان هنا؟ و دوره في هذه الناحية ، أن الإنسان شخصيّاً ذو عقل عملي؛ ولذلك ترتبط قيمة الإنسان بالتصرف وفقاً للقوانين التي يسنها العقل العملي، هذه القوانين أسماها الواجبات؛ فالأخلاق في نظره هي التي تجعل الإنسان إنساناً، وتجعله مختلفاً عن بقية الكائنات الحية، والأهم من ذلك هي التي تجعل الإنسان مختلفاً عن الطبيعة.

الإنسان في مرتبة أعلى من كل الموجودات في الطبيعة؛ فالحيوانات مثلاً خاضعة لمحددات بيولوجية (غرائز) وطبيعية مثل قوانين الطبيعة كالجاذبية، أما الآلة مثلاً فلا يمكن اعتبارها تتصرف بحرية، في حين الإنسان يتأرجح ما بين عقله، وميوله، ورغباته.

الفلسفة الأخلاقية أساسها الفصل بين اللاأخلاقي والأخلاقي فلا يوجد إنسان مثالي أخلاقي 100%، ولا إنسان لا أخلاقي 100%؛ فالأخلاق هي عملية توازن ما بين الأخلاقي واللاأخلاقي، لتحاول جذب الإنسان قدر المستطاع نحو الأخلاقي؛ لأن الإنسان يتأرجح بين رغباته وعقله وميوله، وبين التزامه بما يُشرّعه عقله من واجبات والابتعاد قدر الإمكان عن ما تفرضه غرائزه الحسية؛ فحرية الإنسان تكمن في تصرفه وفقاً للأوامر والواجبات الأخلاقية؛ ويجب علينا الانصياع لهذه الأوامر العقلية، سيتبادر لنا هنا أن الانصياع لأوامر العقل يتنافى مع الحرية، بل هذا بالعكس تماماً، إن قانون الواجب هو الذي يجعل الإنسان يعيش في مملكة الحرية، في حين يبقى الحيوان سجيناً لمملكة الضرورة والحتمية، وكذلك الآلة.

 الإنسان مكون من جسم وروح، وبالتالي فإرادة الإنسان قد تتأثر بميوله الحسية والغريزية، هذه الإرادة لن تصبح ذات إرادة أخلاقية خيّرة إلا إذا أُخضِعَت لأوامر العقل الأخلاقي، فالإرادة الخيرة هي التي تجعل سلوك الإنسان خيّراً في ذاته؛ إذ تكون غايته الامتثال للواجب في ذاته وليس تحقيق أية نتائج أو منفعة؛ فهو موضوعي ما دام لا يستهدف أية غايات ذاتية.

أمثلة:

  • الإنسان لا ينتحر؛ لأن لديه ميلاً إلى البقاء وحب الحياة؛ هنا لن يكون سلوكاً أخلاقيّاً، في حين الذي يمتنع عن الانتحار امتثالاً للواجب هو وحده من يتصف سلوكه بالواجب.
  • الذي يقول الصدق لكي يكسب ثقة الناس أو يحقق مصالح ذاتية هنا لن يكون سلوكه أخلاقيّاً، في حين يكون سلوكاً أخلاقيّاً إذا كان تصرفه نابعاً من العقل أو الواجب فقط.

دعى كانط لأن نعمل دائماً بحيث يكون في استطاعتنا أن نجعل من قاعدة الفعل قانوناً كليّاً، وبحيث يكون تعاملنا مع الآخرين غاية وليس وسيلة، وتكون إرادتنا هي الإرادة المشرّعة الكلية

العقل لا يفرض قوانينه وواجباته على الإرادة كما تفرض الأجسام الطبيعية على بعضها البعض وفقاً لحتمية وضرورة الطبيعة، العقل يمارس إلزاماً على الإرادة، انطلاقاً من ضرورة أخلاقية لا ضرورة طبيعية؛ فالأخلاق عنده هي تعبير عن انتصار الإرادة على الطبيعة والعقل على الميول، إنه إلزام تمارسه الذات على ذاتها مما يجعله إلزاماً حرّاً؛ فالذات هي التي تلزم بإرادتها، أما الأحكام والمقولات الموجودة في العقل هي فكرة عقلانية بحتة، ولكن كل معرفة لا يمكن لها إلا أن تبدأ بالتجربة وهذه الأسس العلمية للأخلاق هي التي سعى إليها كانط.

وعد اجبرات

المدير العام لموقع زين بوست، محررة وباحثة.

View All Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *