إيمانويل كانط – الجزء الأول

ايمانويل كانط

إيمانويل كانط – الجزء الأول

تفكير هذا الفيلسوف انعكس على طقوسه في حياته كلها وفي بيته؛ فكان وسطاً حتى في لباسه وكان يلبس نوع اللباس نفسه صيفاً وشتاءً، و كان يمثل نموذجاً لفلاسفة التنوير، ليس في ألمانيا فحسب بل في أوروبا والعالم، فذلك من خلال تأسيسه للفلسفة النقدية؛ قسمها إلى ثلاثة بنود: نقد العقل الخالص، ونقد العقل العملي، ونقد ملكة الحكم، وقد تبع أسئلته العديدة كسؤال: ماذا يمكنني أن أعرف؟ وماذا يمكنني أن أعمل؟ بدراسات أنثروبولوجية، وسأل سؤالاً آخر: ما الإنسان؟

كان مؤمناً بالله فقط، وليس بالطقوس الدينية، و كان يخرج إلى غابة بولونيا في الساعة نفسها يوميّاً، كان كريماً، أعزب، اجتماعيّاً، وكان يجلس جلسات طويلة على الغداء وكانت عبارة عن عصف فكري، وصاحب نسق فلسفي خاص؛ إذ كان لديه مسلمات في الأخلاق وفي الله وفي الخلود لا يناقش فيها، لكنه اعتبر أن الإيمان لا يخضع للتجربة والإدراك العقلي.

الميتافيزيقيا

اختلف المفسرون حول مفهوم الميتافيزيقيا، فبعضهم ينظر إلى الميتافيزيقيا بوصفها أساس العلم الطبيعي واستبعاداً للميتافيزيقيا، وقسم آخر يعتقد أنها خطوة أولى نحو تأسيس ميتافيزيقيا جديدة.

أما كانط فهو أبعد ما يكون  أن ينظر إلى الميتافيزيقيا على أنها شيء تافه يمكن الاستغناء عنه؛ لأنه كان مقتنع تماماً بأن الوجود الحق والدائم للجنس البشري لا يقوم إلا على الميتافيزيقيا ولا يكون إلا بها.

فهدفه هو إصلاح الميتافيزيقيا وإحياؤها والنهوض بها؛ لتلحق بركب العلوم الرياضية والطبيعية، وأعتبر أن هذا الإصلاح لا مفر منه؛ لأن الطلب على الميتافيزيقيا لا ينقطع أبداً، بغض النظر عن العقبات التي قد تعترضها فترة من الزمن.

إن في مقدرة الفيلسوف متى سيطر على الفلسفة التمهيدية وأتقنها أن يعود إلى هدفه الأصلي وهو التأمل الميتافيزيقي، ومن ثم تستطيع الميتافيزيقيا أن تتقدم بنفس الخطى الثابتة التي تتقدم بها العلوم الرياضية وعلم الطبيعة، فالميتافيزيقيا تعتمد على مناهج البحث التي تُقدّم أولاً

“لقد أيقظني هيوم من سباتي الدوغمائي”.

اعترف صراحة بنظرية هيوم التجريبية وخاصة فكرته عن العلة والمعلول، لكن اعترافه هذا لا يدعنه للتخلص من الميتافيزيقيا واتجاهه نحو الأخذ بنظرية تجريبية في المعرفة؛ فهو لم يتخلى كليّاً عن الميتافيزيقيا.

فتأثر بالفكر الإنجليزي والفرنسي تأثراً عميقاً وهو الفكر الذي جاء بالعلم الطبيعي إلى ألمانيا، فكان أشد قرباً إلى النزعة الواقعية وأقرب إلى إنكار الميتافيزيقيا القديمة.

أنكر الميتافيزيقيا تماماً في حين أنه أعتبرها تقوم على عوالم فكرية معلقة في الهواء لا ترتبط بعالم الواقع.

 هنا وجد الطريق لإنقاذ الميتافيزيقيا، فقد قسم قوة المعرفة إلى: حس وذهن؛ أي إن إدراك الظواهر من شأن قوة الحس، أما الأشياء في ذاتها فهي من اختصاص قوة الذهن، أما الميتافيزيقيا فنظر إليها على أنها وظيفة للذهن مستقلة عن التجربة موضوعها المبادئ الأولى للذهن الخالص.

هناك فرق كيفي بين الحس والذهن، والتمييز بين الذهن والعقل والتمييز بين المقولات والأفكار.

قسم الميتافيزيقيا إلى نوعين: العقل التأملي، والعقل العملي؛ فالأول ميتافيزيقيا الطبيعة، والثاني ميتافيزيقيا الأخلاق، ميتافيزيقيا الطبيعة هي الميتافيزيقيا بمعناها الضيق المحدود.

إن منهج الطبيعة هو العقل النظري، والأخلاق منهجها العقل العملي،وميتافيزيقيا الطبيعة لا يمكن لها أن تدرك موضوعات ما فوق التجربة.

رغب كانط باستخدام المبادئ الميتافيزيقية وتطبيقها على العلم الطبيعي، وهو تطبيق للتصورات والقواعد الأساسية للذهن على الطبيعة بوصفها الموضوع التجريبي على وجه العموم.

اتضح من خلال فلسفته بأن النقطة الأساسية هي اعترافه بسمو العقل ومعارضته لفكرة كوبرنيكوس التي جعلت أرضنا نجماً ضئيلاً صغيراً في النظام الشمسي الضخم، فأراد أن يكون عقلنا سيداً على الطبيعة.

و هذا ما يفسر تأثره بنيوتن، فقلد بدأ عالـِماً طبيعيّاً لا يستطيع أن يهمل الصدق الشامل لقوانين الطبيعة؛ فاعترف صراحة بأن الطبيعة لا بد أن تكون نظاماً يتفق ويسير في انسجام تبعاً للقانون، ومن ناحية أخرى اعتقد في نظام معقول، مستقل تماماً عن عالم الطبيعة، وهذا يشبه النظرية القديمة التي تقول عن العالم المحسوس والعالم المعقول، أو عالم الشهادة وعالم الغيب، أو ملكوت الطبيعة وملكوت الروح.

في النهاية، اعتقد وجود الجنس البشري قائم على الميتافيزيقيا واعتقد بوجود أمل بتقدم الميتافيزيقيا مثل باقي العلوم، وهذا يعتمد أيضاً على مناهج بحث يتم تقديمها أولاً.

اعتمد على التجربة، لكنه لم يستبعد الجانب الميتافيزيقي خاصة من خلال طرحه لفكرة المقولات والزمان والمكان.

قال في الله والخلود والعدالة والحرية، بأنه ليس هناك ضرورة منطقية لرؤية العالم عن طريق هذه المفاهيم، إلا أن هذه المفاهيم ضرورية لإسعاد البشرية؛ فبدونها سيفقد الكثيرون معنى الحياة؛ إذ لم يعتقد الإنسان أنه حر في أفعاله، وأن هناك عدالة مطلقة سوف تنتصر في النهاية، في الدنيا أو الآخرة فسوف يفقد الإنسان الدافع والحماس لكي يواصل الحياة؛ لهذا فالإنسان لـه الحق في الإيمان بالله والروح والخلود، لا لأسباب ميتافيزيقية، ولكن لفوائد عملية ضرورية؛ لأن هذا الإيمان قد يجعلنا أفضل وأنجح وأقدر على مواجهة الحياة.

اعتقد أنه لا يمكن للميتافيزيقيا أن تستمد من التجربة فالميتافيزيقيا لا تخدم أية حتمية اعتقادية حتى لو تلاقت مع الدين بإثبات وجود الله؛ لأن المصطلحات الميتافيزيائية ليست تعريفات دقيقة دائماً، بل وسيلة دلالة، وهي ليست وسيلة تبرير.

وعد اجبرات

المدير العام لموقع زين بوست، محررة وباحثة.

View All Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *