جون لوك – الجزء الثاني

جون لوك

جون لوك – الجزء الثاني

التسامح

كانت له أفكار خاصة بالتسامح، وخاصة التسامح المتبادل بين المسيحيين المختلفين في الملة، فنظر إلى التسامح على أنه العلاقة المميزة للكنيسة الحقة؛ فالبعض يتباهى بقدم الأماكن والألقاب، أو بعظمة الطقوس، والبعض الآخر يزهو بصلاح إيمانه، بينما يفتخر الجميع بما يعتقدون أنه الإيمان الحق الذي لا يشاركهم فيه أحد، هذه كلها وغيرها مما هو على شاكلتها إنما هي علامات على شهوة البشرية  في تسلط كل منهم على الآخر أكثر مما هي علامات على حب كنيسة الله.

دعى الناس ليسلموا بأن لكل فرد الحق في التوجه نحو كل هذه الأمور، لكنه إذا تجرد من المحبة والتواضع وإرادة الخير للبشرية عن فهم من غير المسيحيين، فإنه في هذه الحالة لا يمكن أن يكون مسيحيّاً حقّاً؛ فالدين الحق لم يتأسس من أجل ممارسة الطقوس، ولا من أجل الحصول على سلطة الكنيسة، ولا من أجل القهر، بل من أجل تنظيم حياة البشر استناداً إلى قواعد الفضيلة والتقوى.

أما الحاكم ينبغي عليه ألا يتسامح مع الآراء المضادة للمجتمع الإنساني أو مع القواعد الأخلاقية الضرورية للمحافظة على المجتمع المدني، ولكن هذه الأمثلة نادراً ما تحدث في أية كنيسة، لأنه لا توجد طائفة يصل بها الحال إلى درجة الجنون؛ فهي مؤهلة لتعليم عقائد من الواضح أنها أساس المجتمع، وبالتالي فإنها موضع إدانة من الإنسانية برمتها؛ لأن مصالحها وسمعتها معرضة للخطر.

شدد بأنه لا يمكن التسامح على الإطلاق مع الذين ينكرون وجود الله؛ فالوعد والعهد والقسم، هي روابط المجتمع البشري، وللملحد ليس لها قيمة؛ فإن إنكار الله – حتى لو كان بالفكر فقط – يفكك جميع الأشياء، هذا بالإضافة إلى أن أولئك الملحدين الذين يدمرون كل الأديان ليس من حقهم أن يستندوا إلى الدين لكي يتحدوا.

أعتقد أن أي إنسان يتصوّر أنه مهيأ لإنزال العذاب بإنسان آخر، بدعوى أن ينشد خلاص نفسه، فإن مثل هذا الإنسان يبدو غريباً عنه وعن أي شخص آخر، ومن المؤكد أنه لا يوجد إنسان يعتقد أن مثل هذا الفعل يصدر عن المحبة أو إرادة الخير.

وضح أيضاً مبدأ تقاسم السلطة، وأن السلطة التشريعية أو الجمعية العامة أما السلطة القضائية ممثلة بالحاكم  والسلطة التنفيذية أي الحكومة، و أصر على الفصل بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية تفادياً للطغيان.

أثرت معاصرته لعصر لويس الرابع عشر فجمع كل هذه السلطات حتى أننا نجد الأثر في فلسفته

لويس الرابع عشر يقول: ” أنا الدولة “؛ فهو ملك مطلق السلطة؛ أي انه يبني سلطته على الحق، فحتى نبني دولة الحق برأي لوك يجب أن يشرع ممثلو الشعب القوانين، ويقوم الملك والحكومة بتطبيقها، فللسلطة حدود، وهي أعلى سلطة في أية دولة، وإن على السلطة تأمين الملكية الخاصة والسلام والثروة والسلع للجميع، وعلى تقوية قوتهم الحيوانية قدر الإمكان، لمواجهة الغزوات الأجنبية.

الدولة هي مجتمع من البشر يتشكل بهدف توفير الخيرات المدنية، كالحياة، والحرية، والصحة، وراحة الجسم، بالإضافة إلى امتلاك الأشياء مثل: المال والأرض والبيوت والأثاث وما شابه ذلك، والحفاظ عليها، وتنميتها.

تحدث جون لوك عن الزواج والأسرة فالغاية من الزواج عند لوك هي الإنجاب أساساً؛ وذلك بهدف استمرار الجنس البشري ، وكانت له آراء عديدة حولها، وكان منخرطاً أيضاً في الأحداث السياسية، وتقلد مناصب سياسية مهمة.  انضم إلى حزب ليبرالي سري واتخذ لنفسه اسماً مستعاراً، ثم لجأ إلى هولندا هرباً من الملاحقة والاضطهاد وكان مهتمّاً بدراسة السياسة من جانبها الفلسفي.

اعتبر لوك أن طبيعة النوع البشري تجعل الإنسان يميل إلى تخليد نفسه بأن ينجب أفراداً على صورته؛ ومن هنا كان الزواج ضرورة تفرضها الطبيعة أحياناً، أو تمليها إرادة السماء أحياناً أخرى حتى لا ينقرض النوع الإنساني.

أضاف لوك إلى هذه الفكرة أن الزواج لا بد أن يدوم بين الزوج والزوجة بعد عملية الإنجاب، بقدر ما تدعو الضرورة وتتطلب الحاجة إلى رعاية الأبناء وإطعامهم، وهذا واجب الوالدين بعد الاقتران، مؤكد، بما أن الأبناء عاجزون عن تدبير طعامهم بأنفسهم والاستقلال عنهما!، وهذا كان مسايرة من لوك للتراث الغربي الذي كان يقول منذ أرسطو إن الزواج مسألة طبيعية فرضتها الطبيعة بهدف استمرار النوع البشري وعدم انقراضه، فيتمثل دور المرأة في إنجاب الأطفال ومساعدة الزوج في تربيتهم، هي في داخل المنزل، وهو بما يجلبه من وسائل العيش، و كان يرفض أي دور للمرأة خارج الأسرة، ولا حتى في النشاط الثقافي ولا السياسي أو الاجتماعي، وإنما لا بد لها أن تتزوج؛ فذلك هو المصير الطبيعي لكل امرأة.

وعد اجبرات

المدير العام لموقع زين بوست، محررة وباحثة.

View All Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *