مدرسة فرانكفورت – الجزء الثاني

مدرسة فرانكفورت

مدرسة فرانكفورت (الجزء الثاني)

تميزت الحضارة الغربية منذ نشأتها الأولى بفكرة الهيمنة من خلال معنيين متكاملين وهما: الهيمنة أو السيطرة على الطبيعة من جهة، والسيطرة على الإنسان من جهة أخرى، و كان الخوف من الطبيعة هو الذي دعا الإنسان لمحاولة البحث فيها والسيطرة عليها؛لكي تتم عملية السيطرة على الطبيعة واستغلالها، تم تسخير وتوظيف كل المعارف العلمية والتطبيقات التقنية بل والإنسانية أيضاً باعتبارها مجرد أدوات ووسائل استعمالية يمكن توجيهها لما يخدم أغراض السيطرة.

ظهرت مصطلحات مثل البيروقراطية والأداتية والتنميط، التي أصبحت تميز المجتمعات  الغربية المعاصرة المتقدمة تكنولوجيّاً سواء كانت رأسمالية أو اشتراكية، وأصبحت علاقة الإنسان بالطبيعة علاقة نفعية، واستخدامية وسائلية وأداتية، حولت كل جمال الطبيعة إلى أشياء قابلة للاستخدام والانتفاع.

أصبح الإنسان أيضاً مجرد جزء أو عنصر من الطبيعة فهو يخضع للتقنين والتنظيم والتوجيه مثل الطبيعة.

هاجرت مدرسة فرانكفورت إلى جنيف وأكثر من مدينة أوروبية بعد صعود النازية خوفاً من هتلر، واستقروا في النهاية في الولايات المتحدة؛ حيث بدؤوا هناك يدرسون الأوضاع القائمة في أمريكا، وكانوا يركزون في فلسفتهم النقدية على الرأسمالية التي تتحكم بالأوضاع الاقتصادية والمعيشية والإنسانية. وعادوا بعد سقوط هتلر ثم بدؤوا مشروعهم الجديد وهو نقد الحداثة، ونقد الأسس التي انطلقت منها الحداثة.

واعتبروا أن مشروع الأنوار لم يتم تطبيقه بالشكل المطلوب؛ لأنها تأثرت في الأحداث التي حصلت على إثر إعطاء العقل حريته في التطور، وكان أغلب فلاسفة المدرسة هم ممن عانوا من صعود النازية، فمنهم اليهود الذين كان يرفضهم هتلر، و كان لهذا تأثير مباشر على أولئك الفلاسفة مما ولّد لديهم ردة فعل للخروج بنظريتهم النقدية ضد الحداثة وما نتج عنها من خراب ودمار وقتل.

هوركهايمر وأدورنو هما الجيل الأول من مدرسة فرانكفورت، صبّا اهتمامهما على الوضعية التي كانت تريد جعل كل ما هو في الطبيعة أو المعرفة مبنيّاً على  الرياضيات والكم والتجريب والقياس، وكل ما هو غير ذلك يعتبر كلاماً فارغاً، و انتقدوا ما نتج عن التطور العلمي المبني على إعطاء العقل حقه في التحرر والانطلاق المبني على فكرة ” دعه يعمل، دعه يمر ” فأدت هذه  النتائج العلمية إلى اختزال العقل في التقنية الأداتية.

إذ أصبح الإنسان أداة شأنه شأن الآلة، مع العلم أن الإنسان يعتقد أنه حرٌّ؛ إلا أنه في واقع الأمر عبد للسلعة والرأسمالية، ولا يستطيع الخروج من هذا المأزق ومعرفة ما يتعرض لـه من عبودية إلا إذا خرج من هذه المنظومة الطبيعية وقام بمراقبتها من الخارج.

إلا أنهما وصلا إلى طريق مسدود، واعتبرا أن الخوف هو من أهم الأسباب التي دعت العقل البشري لدراسة الطبيعة ومحاولة السيطرة عليها، فنقدهم كان موجهّاً إلى أن العقل التقني لم يكن موجهّاً إلى معرفة الطبيعة والاستفادة منها وخدمة الإنسان فحسب، بل هو إخضاع الطبيعة، الأمر الذي أدى بالعقل الغربي إلى محاولة تحقيق أهداف استعمارية وسيطرية، وإخضاع الشعوب، أي إن العقل دمّر نفسه بدلاً من أن يخدم الإنسانية. ولكن وبعد أن شعر هوركهايمر وأدورنو بانسداد الأفق لديهما خرج هوركهايمر بنتيجة  أن يعود إلى الجانب الديني وخاصة اليهودية التي وجد فيها حلاً لمشكلات الحداثة.

أما أدورنو اتجه إلى الجانب الجمالي والفني معتبراً أن الفن هو وسيلة لنقد المشروع التقني الذي أدى بالعالم الغربي إلى هذه الصراعات التي أدخلت الإنسان في أسطورة جديدة؛ وهي العقل التقني الذي لا يستطيع الفرد أن يدرك وضعه داخل هذه المنظومة.

أما الجيل الثاني فهو هابرماس، الذي تأثر بأدورنو، فهو لم ينتقد الحداثة بأحوالها كلها كما فعل الجيل الأول، إلا أنه قال إن النقد لا يجوز أن يوجه إلى العقل التقني؛ فالعلم محايد أصلاً، ولكن تطبيقاته كانت منحرفة، لذلك علينا تصويب العقل من انحرافه وليس نقده بالكامل، فخرج بنظرية التواصل الاجتماعي المبني على اللغة والحوار، وأنه يجب إعادة الأنسنة والتواصل الاجتماعي من خلال الحوار واللغة.

وأن تتم المناقشة بين الأفراد لا على مبدأ الإكراه واعتبار قضية المحاور هي الأصح، بل من خلال قبول الرأي المقابل والخروج بنتيجة تخدم كل الأطراف، وهذا الأمر رفضه الجيل الثالث؛ حيث اعتبروا أن عملية التواصل لا تنتج بهذه السهولة؛ لأن هناك أيدولوجيات فكرية، والمتحاورون معبَّؤون فكريّاً، لكن هابرماس كان يساريّاً، وكان يدعو لعدم الانحياز، بل أن نكون محايدين؛ لأننا إذا نظرنا إلى جانب معين فإننا لا نرى سواه، ولا يجوز أن نرى عيوب العقل فقط،  بل لا يزال هناك وعود ونستطيع منها تصويب العقل.

أراد هابرماس من خلال تبشيره للناس أن يؤسس لنظرية جديدة للفعل الإنساني لتعيد تصويب مسار الحداثة والعقل، وإعادة اكتشاف كل الأبعاد الإنسانية؛ فللعقل مجموعة أبعاد وليس بُعْد واحد؛ فهو لم يكن ضد العقل الأداتي بل ضد هيمنته، و إقامة تواصل عن طريق اللغة، بإقامة تواصل بين الذوات الحرة على أساس عنصر اللغة؛ فهو كان يقول بأن ظهور البرجوازية والرأسمالية ووجود (عمال ومصانع ومستهلكين).

ومع تداخل الاقتصادات ودخول عشرين شريكاً في السلعة الواحدة، فقد أصبحت علاقات الهيمنة غير واضحة؛ لذا تشابكت منظومة الاقتصاد، وكان يرى أن الرأسمالية مرحلة قد تؤدي إلى كارثة؛ لذلك اعتبر أن لغة التواصل هي منظومة من القيم (لغة تفاهم) بين الذوات الحرة. فالمعرفة تحولت إلى أداة سيطرة بدلاً من أن تكون أداة  تحرر، وذلك عندما أصبحت مرتبطة بالغايات السياسية والاجتماعية التي تتوخى الهيمنة والسيطرة، بعبارة أخرى عندما ارتبطت فكرة السيطرة على الطبيعة بالسيطرة على المجتمع، وهذا ما يؤكده هوركهايمر في كتابه ” بدايات فلسفة التاريخ البرجوازية “.

أما هوركهايمر قال إن هذا المجتمع لا يعتمد على السيطرة على الطبيعة بالمعنى الضيق، وعلى ابتكار وسائل جديدة للإنتاج واختراع الآلات وبلوغ مستوى صحي معين فحسب، بل إنه يقوم أيضاً على سيطرة بعض الناس على أناس آخرين، وهذا ما جعل هوركهايمر يقول إن السيطرة أصبحت تعتمد على العقلانية نفسها، أو تحديداً على نمط معين من العقلانية يسميها فلاسفة مدرسة فرانكفورت “العقلانية الأداتية “.

فالمعرفة العلمية والتقنية لم تلتزم ” الحياد العلمي ” كما كان منوطاً بها، بل تحولت إلى أداة تستعمل وتوظف في السيطرة على الإنسان قصد إخضاعه لأجهزة الإنتاج الضخمة والمؤسسات الإدارية واليبروقراطية والاستهلاكية التي يجب أن يكيف الأفراد أنفسهم مع ضغوطها ومطالبها، ويضطرون من أجل ذلك إلى قمع طبيعتهم.

وأن الإنسان أصبح لا يشعر بالقمع الذي تمارسه عليه تلك الأجهزة والمؤسسات التي أصبحت توحد أنماط سلوكهم، بل وتخلق فيهم حاجات مادية وروحية زائفة كما أكد ” هربرت ماركوز ” الذي  يعتبر من أعضاء مدرسة فرانكفورت، فاعتبر أن الحاجات أصبح المجتمع الاستهلاكي يشبعها معتمداً في ذلك على وسائل الإشهار والدعاية التي استطاعت أن تخضع الأفراد لمطالب الاستهلاك.

غير أن أخطر ما في الأمر أن هؤلاء الأفراد أصبحوا في ظل هذه الشروط يستسلمون لهذه الأوضاع! فاعتبر ماركوز أنهم أصبحوا يقاومون كل محاولات لتغيير هذه الأوضاع معتقدين أن هذا التغيير ضد مصالحهم لا ضد مصالح القوى الاقتصادية المسيطرة عليهم، فأصبحت السيطرة التي تمارسها العقلانية الأداتية أخطر من السيطرة الماضية؛ لأن أدوات الماضي بالرغم من أنها تبدو معقدة وفيها جانب أسطوري، إلا أنها كانت أدوات إخضاع من طاغية معروف، وأدواته معروفة وقواه واضحة.

فنحن الآن لا نستطيع القبض على أدوات  السيطرة؛ لإنها معقدة وعائمة، ومن ثم تدخل في النفق المظلم وتصل إلى حالة فقدان الأمل واليأس؛ فكلما دخلنا من هذا النفق نحاول الخروج من الجهة المقابلة، فيتم إطالة هذا النفق، ويصبح الخروج منه صعباً.

فاعتبر ماركوز أن الإنسان أصبح فاقداً لأبعاده وأصبح بُعدُه فقط بُعداً استهلاكيّاً؛ حيث أصبحت هناك وسائل قمعية تسحق إنسانية الإنسان وتحرمه من استقلاله الذاتي وحريته، بل إن حريته وهمية ضمن خيارات محددة، أي إن الإنسان يعتقد أنه مرتاح ظاهريّاً، إلا أنه في الأصل يائس، فالعلم يجب أن يكون جزءاً من مشروع الإنسان وليس حياة الإنسان كلها.

فالحل كان عند ماركوز فرأى أن تغيير واقع المجتمع القائم يكون بالبحث عن قوى اجتماعية جديدة لم تنخرط بعد في مؤسسات المجتمع القائم، وهي ” القوى الهامشية ” في المجتمع، والتي لم يتم استيعابها وإدماجها مثل المنبوذين والعاطلون عن العمل، وأضاف إليهم الشباب والطلبة الذين يجمعهم عمق الرفض وعمق المعارضة، ولكنه لم يعتمد الطبقة العاملة (البوليتاريا) لأنها أصبحت في المجتمعات الحالية طبقة غير قادرة على تغيير الوضع القائم نتيجة اندماجها واحتوائها في النظام القائم؛ لذا فإنه يعتبر أن التغيير الاجتماعي أصبح يتوقف على ” القوى الاجتماعية ” التي لم يتم إدماجها.

فأدورنو لم ير إمكانية تحقيق هذا التغيير المنشود بواسطة القوى غير المندمجة في النظام أو النسق القائم، وإنما رأى ذلك في البعد الفني والجمالي، واعتقد أدورنو أن الرفض من خلال الفن هو أفضل وسيلة، فلا يستطيع الفن أن يقوم سوى بعملية النقد، أما التغيير فكان أمر مستبعد.

وعد اجبرات

المدير العام لموقع زين بوست، محررة وباحثة.

View All Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *