مدرسة فرانكفورت – الجزء الأول

مدرسة فرانكفورت

مدرسة فرانكفورت – الجزء الأول

بعد عصر الأنوار، بدأت نزعات التفاؤل والوعود المبشرة بأن التاريخ سوف يكشف عن كل جديد ومتقدم في سبيل إسعاد الناس، إلا أنهم اصطدموا بأحداث مأساوية كبرى في أوروبا، أولها الحرب العالمية الأولى سنة 1914  التي قتل فيها ما يقارب 8 ملايين شخص، وجرح فيها حوالي مليونا جريح، وبالتالي فاللذين كانوا يؤمنون بالحداثة اصطدموا بالحرب والخراب، فلم يكن أحد يعلم عدد القتلى في هذه الحرب نظراً لوجود مدن قد دمّرت بأكملها، ولكن العدد يتراوح ما بين 35-60 مليون قتيل، إضافة إلى ذلك الحرب الباردة التي كانت بين الاتحاد السوفييتي السابق وكتلة حلف وارسو الإشتراكية من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى مع حلف الناتو، وتصاعدت المواجهات وسباق التسلح الذي امتد إلى الأسلحة النووية آنذاك، وتم هذا كله على حساب الإنسان والبيئة إلى أن انتهى الأمر بتفكيك الاتحاد السوفييتي والإعلاء من قيم الليبرالية الجديدة واقتصاد السوق. كل الكوارث السابقة لم تُنسِ دعاة الحداثة أن حداثتهم قد بشرت متفائلة بالتقدم وبالمجتمع السعيد للجميع، وأنهم اعتبروا مجيء الحداثة هو العصر الذهبي للإنسانية عندما أضاء العلم والعقل بأنوارهما عقل كل إنسان، فالحداثة التي بشّر بها عصر التنوير انقلبت ضد الإنسانية، وأدت النتائج التي خرجت بها فلسفة التنوير والتي كانت تدعو إلى احترام العقل الإنساني وحريته، محاولة الخروج من تسلط الأسطورة القديمة المبنية على الدين والكنيسة إلى الوصول إلى نتائج لم تكن تبشّر بها فلسفة الأنوار؛ إذ أطلقت العنان للعقل ومحاولة إعادة مركزيته من خلال أمثال ديكارت وكانط؛ حيث بدأت بإعطاء العقل مركزيته عند ديكارت الذي خرج بفكرة الكوجيتو (أنا أفكر؛ إذاً أنا موجود)، فخرجت مدرسة فرانكفورت التي نشأت في الثلاثينيات من القرن العشرين بنقد جذري لمشروع التنوير بما هو رمز الحداثة الغربية.

 دعى كانط مواطنيه إلى الشجاعة في استخدام العقل، وكان يرى أن استخدام العقل هو شعار التنوير، ولكي يستخدم الإنسان عقله عليه أن يتخطى الكسل والجبن وحكم الأوصياء. فقد كانت فلسفة فرانكفورت نقدية تنقد الحداثة التي أدت بدلاً من إعطاء الإنسان حريته وكرامته إلى تدمير الإنسان، وخاصة عندما ظهرت المؤسسات السياسية الشمولية مثل النازية والفاشية والستالينية، فحولت مفهوم العقلانية إلى مفهوم أداتي تقني مبني على الكم والقياس؛ إذ أصبح الإنسان شيئاً كباقي الأشياء في الطبيعة، فظهر مصطلح (التشيؤ)، وتم توظيف الإنسان لخدمة أهداف بربرية جديدة، وأصبح مبدأ العقل هو السيطرة على الطبيعة وإخضاعها وتوظيفها بشكل منحرف بعيداً عن الأهداف التي بدأت وانطلقت منها فكرة الأنوار، بحيث يتضح ذلك من خلال النتائج التي حصلت بعد الحربين العالميتين، وهذا أثر على المستوى الإنساني، وقَتلَ ملايين البشر.

تسائل أعضاء مدرسة فرانكفورت كيف يمكن للتنوير أن يهدف إلى تحرير الإنسان من الأساطير؟ و قالوا أن التنوير يبحث عن سعادة البشر، ولكن أي سعادة هذه التي ينتج عنها ملايين القتلى؟ بحيث يتم اختزال الإنسان في العقل التقني وتشييؤه!

هذا الأمر أدى إلى الاغتراب وأصبح الإنسان خاضعاً للآلة، بل صار جزءاً من منظومة العمل وليس حرّاً بالمعنى الحقيقي، فكان ظاهريّاً حراً، إلا أنه في االواقع عبدٌ للتقنية والآلة.

حوّل هتلر المصانع إلى عسكرية لتحقيق مشروعه الشيطاني الذي دمّر مُدناً بأكملها، وبمجرد تحويل المصانع بعد انتصار الحلفاء إلى مصانع مدنية نهضت ألمانيا من جديد في ظرف 15 سنة تقريباً.

في الماضي كان العنف والسيطرة أموراً يتحكم بها شخص أو حاكم طاغية معروف لدينا، أما الآن فقد تعددت وسائل السيطرة وخاصة التقنية إذ أصبح هناك شركاء عديدون، بحيث إن من الصعب معرفة من أين تأتي السيطرة! والثورة على هذا الوضع القائم قد تؤدي إلى فوضى لا يُحمد عقباها.

أما بالنسبة لأعضاء مدرسة فرانكفورت فكان ماكس هوركهايمر وزميله ثيودور أدورنو، اللذان ألفا كتاب ” جدل التنوير ” الذي اعتبره الباحثون المتخصصون في النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت أهم نص فلسفي ممثل لهذه المدرسة، وخاصة لجيلها الأول، فمفكري مدرسة فرانكفورت هاجروا إلى مختلف بلدان العالم في فترة الأربعينيات وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا بعد الأحداث التي عرفتها ألمانيا إثر صعود النازية ووصولها إلى الحكم، والملاقات التي تعرض لها الكثير من المثقفين والمفكرين، خاصة من ذوي الأصول اليهودية، حيث بدأ التساؤل كيف يتم تفسير تدمير العقل التنويري لنفسه بحيث أصبحت الإنسانية تخوض في حالة جديدة من البربرية بدل أن تصل إلى حالة إنسانية حقيقية!

هذه الأسئلة يجيب عليها هوركهايمر وأدورنو، إذ يعتبران أن ذلك قد تم عندما تحول العقل أداة للسيطرة على الطبيعة، ثم على الإنسان، فالعقل الأداتي أو التقني القائم على التكميم والقياس والفاعلية، والموجّه نحو ما هو عملي وتطبيقي ونفعي، فأصبح الفكر بمثابة آلة رياضية، و تبلورت هذه العقلانية الأداتية التقنية حسب هوركهايمر وأدورنو مع الثورة العلمية الحديثة التي شهدتها أوروبا والتي عبّر عنها فلاسفة محدثون كبار، وعلى رأسهم ديكارت وفرانسيس بيكون وهيوم وكانط، ثم مع الفلسفة التي اتخذت صفة ” العقل المتنور “، و نجح العقل الأداتي في تشييء الإنسان واستخدامه من قبل المؤسسات الاقتصادية والسياسية وأجهزتها الأيديولوجية القائمة على تكريس المصلحة والهيمنة بصورها المختلفة.

عندما قال كانط إن بلوغ الأنوار هو خروج الإنسان من القصور الذي هو مسؤول عنه، والذي كان يعني عجزه عن استعمال عقله دون إرشاد الغير، وأن المرء نفسه مسؤول عن حالة القصور هذه عندما يكون السبب في ذلك ليس نقصاً في العقل، بل نقصاً في الحزم والشجاعة في استعماله دون إرشاد الغير، وكان يدعو إلى التجرؤ على أن نعرف، غير أنه في الوقت الذي أكد فيه التنوير على أن التقدم الإنساني لا يمكن تحقيقه إلا بالمزيد من العقلانية ومن خلال الثورة المعرفية والعلمية، فإن ذلك لم يتحقق فعلاً على أرض الواقع بقدر ما تحقق نقيضه؛ أي الأساطير الجديدة المتمثلة بصورة خاصة في البربرية، فكان المثال الأكثر وحشية لذلك والذي تأثر به هوركهايمر وأدورنو وباقي أعضاء مدرسة فرانكفورت أشد التأثير هو النازية، وفي هذا الصدد تمت الإشارة إليهما باعتبارهما الحالة النموذجية للبربرية والأسطورة التي عرفها المجتمع الألماني، فقد أراد أعضاء مدرسة فرانكفورت أن يقولوا بأن ما حدث هو دليل على أن هذا المجتمع على الرغم من تقدمه تقنيّاً فقد ترك المجال مفتوحاً ليقع فريسة اللاعقل الكامن في العقل ذاته، و بدأت بالتحكم نظرة عنصرية متوحشة أسطورية عصابية، فالجنس الآري أحسن الأجناس وأفضلها، ومن هنا جاءت نظرة هوركهايمر وأدورنو للعقلانية والمعرفة العلمية والتقنية على أنها أداة تحرر الإنسان وفي الوقت نفسه هي أداة سلب حريته ومصدر شقائه، غير أن النقد الموجه للعقلانية والمعرفة العلمية في صورتها الحالية لا يعني أن هوركهايمر وأدورنو ضد العقل والعلم والتنوير ذاته، وإنما هو نقد موجه في الأساس للانحراف الذي عرفه التنوير والعقلانية والحداثة عبر مسار التطور التاريخي الذي عرفته الحضارة الغربية، فتم التراجع عن قيم التنوير (العقل، والحرية، والتقدم) التي كان هدفها تحرير الإنسان، ولتصبحَ مجرد أسطورة جديدة؛ تحولت العقلانية إلى اللاعقلانية.

يعتقد هوركهايمر وأدورنو أن تجاوز هذا الوضع الكارثي لا يتم إلا بممارسة النقد الفلسفي العميق، وكان من الطبيعي أن يتوجه التركيز على نقد العقلانية الأداتية والكشف عن فظاعتها في المجتمعات المعاصرة، بعدما انتصرت هذه العقلانية على الطبيعة وأخضعتها لمنطق السيطرة الكامن في بنية المعرفة العلمية والتقنية التي تتعامل مع الطبيعة بوصفها مجالاً للتنظيم والتحكم والهيمنة من خلال رفض المقولات الكمية الرياضية على الظواهر الطبيعية، والناس كما يقول هوركهايمر وأدورنو يريدون أن يتعلموا من الطبيعية كيفية استخدامها  بهدف السيطرة عليها كليّاً، عليها وعلى الناس، فالهدف كان انتصار العقلانية الأداتية في الصراع من أجل الهيمنة على الطبيعة.

وعد اجبرات

المدير العام لموقع زين بوست، محررة وباحثة.

View All Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *