القديس أغسطينوس – الجزء الأول

القديس أغسطينوس

القديس أغسطينوس – الجزء الأول

أغسطينوس لم يكن مسيحيّاً في أول حياته، فهو عُمِّد في الثالثة والثلاثين من عمره، أمه كانت امرأة تمتاز بالوداعة والاستقامة الأخلاقية والأطباعية، وكانت دائمة الدعاء وتأتي إلى الكنيسة وتدعو لـه بالهداية ودعائها المأثور على لسانها دائماً: ” يا إلهي يسوع المسيح اهدي ابني أغسطينوس وأهل بيتي واجعلهم من المسيحيين”.

عندما قرر الذهاب إلى قرطاجه لتدريس الفلسفة والخطابة كان يمر في حالة نفسية سيئة وكان خلال هذه الفترة دائم البكاء؛  لأن صديقة المقرب قد فارق الحياة!، اعتاد سؤال امه بعد تلاوتها الصلوات والدعاء له بما هي الحقيقة؟!، فكان الوقت هذا بالنسبة له هو الأمثل لإكتشاف الحقيقة فقرر الذهاب إلى قرطاجة؛ لينسى حزنه لأن باعتقاده حتماً سيجد هناك الحقيقة.

مع حزنه الشديد هذا تحدث حول الجمال والحب؛ فلولا جمال الشيء الذي نحبه وجاذبيته، لما أحببناه، مثلاً نعجب لجمال الجسد الذي يقوم على تناسق الأعضاء، ولا يقصد هنا بالجمال كما هو الجمال في ألعاب السيرك مثلاً، فذلك استعراض قذر لإثارة الشهوات وليس فيه أي نفع للنفس البشرية، فشدد  للتوقف عن الذهاب إلى هذه الملاهي السيئة.

مع هذا يمكن أن نعجب بشيء لا نراه، مثلاً يعجبني شاعر ما وإن كنت لا تعرف شخصيته وإنما سمعنا عن علمه وثناء الناس عليه فأحببناه، وهذا ينطبق على إعجابنا بالله بالرغم من أننا لا نراه، ربما نحب الله ونتحمس لـه لأن الناس تقوم بمدحه، أما إن كان مادحوه قد انتقدوه وذموه لما تحمسنا لـه، في حين أن الله لم يتغير وإنما الذي تغير الدعايات حوله ممن حدثونا عنه، ولكن هنا كثيراً من مدحوا الله ومنهم من شككوا في وجوده، فنعرف الحقيقة بالبحث عن الحقيقة وعلينا ألا نحب بكل إخلاص إلا الحكمة المجردة؛ لأنها توصلنا إلى الحقيقة، فالإيمان بالإله الحقيقي لا يختلف فيه اثنان وأن هناك قوة ما خلقت هذا الكون الفسيح، فالبعض قال إنها النار والبعض قال إنها أحد الأجرام، وأما من يرى أن الإله الحقيقي هو الذي خلق كل هذه الأشياء من شمس وقمر وأجرام سماوية، فيعطي الدليل على هذا الإعتقاد؛ وإن كان الدليل  هو الكتاب المقدس وأنه شرح كيف خلق الله الكون، فليقل من أين جاء مؤلفه؟! وكان يعتقد بأنها كتابات ركيكة! فطبيعة الله لا يمكن أن تولد من مريم العذراء دون أن تختلط بالجسد، وإن صح هذا القول وامتزجت بالجسد فكيف لا تتجنّس منه؟! وهل يعقل أن يكون الله ذو جسم وشعر وأظافر؟! فبوجود المملكتان: مملكة من نور، ومملكة من ظلمة يتولد صراع داخل الإنسان بين الخير والشر الذي هو نفسه الصراع بين النور والظلام.

موضحاً ذلك بأن جزيئات من النور قد سجنت في مادة الجسد المظلمة وإن الهدف من التدين هو التحرير من هذه الجزئيات حتى تستطيع الرجوع إلى النور السماوي.

بعد ذلك لم يكن متوفر بقرطاجة الإنضباط اللازم لأغسطينوس فالفلسفة والشعر والخطابة لا يمكن أن يدرّسوا في جو من عدم الانضباط برأيه! فهولم يجد أحد يجيبه على تساؤلاته حول الله والحقيقة والخليقة.

فقرر أن يرحل من قرطاجة و يذهب ليدرّس في روما، لعله يجدهم منضبطين، ويجد حلول لأسئلته.

وبالفعل وجدها عند القديس (إمبرواز)!

كانت هناك ثلاثة أمور تجعل أغسطينوس بعيداً عن الإيمان والكنيسة الكاثوليكية، أولها استحالة تصوّر جوهر لا مادي مطلق في لا ماديته، ثانيها استحالة تفسير أصل البشر، ثالثها استحالة استغنائه عن النساء.

كان يبحث عن الحقيقة، ولكن ما كان يؤرقه هو من أين يأتي الشر؟ خصوصاً عندما يرى الشخص نفسه صالحاً وفي نفس الوقت الله خالق كل شيء صالح؟

طرح اغسطينوس عدة أسئلة عند لقائه للقديس إمبرواز ستلخص بأجلها لنفهم كيف اعتنق اغسطينوس المسيحية وكيف حاول الوصول إلى الحقيقة المطلقة؟!

  • ماهي القوة التي خلقت الكون؟

امبرواز: فلنسمّ هذه القوة (الله)، والله هو الذي كوّن هذا الكون، إذاً الله كائن وكل كائن هو ذات فيكون الله كائناً لذاته والله خلق الإنسان فالإنسان مخلوق ناطق، وليكون المخلوق ناطقاً فإن الخالق ناطق، والنطق بالكلمة فيكون الله ناطقاً بكلمته ثم إن الإنسان مخلوق حي فالخالق إذن حي والحياة بالروح فيكون الله حيّاً  ذا روح، إذاً الله كائن بذاته ناطق بكلمته حي بروحه.

  • كيف يظهر الله بالجسد وما هي دوافع ذلك؟

امبرواز: عندما خلق الله الإنسان قال للجميع بأن شجر الجنة تأكلها أكلاً، أما شجرة معرفة الخير والشر يمنع أن تأكل منها لأنك إذا أكلت منها ستموت،فالإمتناع عن الأكل من هذه الشجرة بالذات هي عنوان الطاعة لله، لكن لما أٌكل من الشجرة أعلن صراحة عن عصيان الله فصار علينا حكم الموت، بالتالي كما غرسنا كل الغرائز من شك ورياء وخديعة غرسنا هذا الحب، مع هذا يحق لله أن يصدر عفواً لآدم وذريته ليكون في غير حالة التي تقوم على التجسيد التي تقوم عليها المسيحية، الله كامل في عقله ورحمته، لذلك فهو أوجد الحق كاملاً في البشرية بالموت، وفي الوقت نفسه  بكامل رحمته أوجد المغفرة لذلك حن لابن الكلمة في بطن السيدة العذراء ثم ولد بالجسد.

  • أليست العذراء مريم (مع احترامي لها) مولودة من آدم وحواء وملوثة بنفس الدماء المملوءة بالخطيئة؟

امبرواز: حن روح القدس عليها ليولد منها ابن الكلمة.

  • إذاً كان روح القدس كافياً للتطهير من الخطيئة، فلماذا لا يحل للبشر جميعاً لتغفر لهم ونستغني عن قضية التجسيد؟

امبرواز: السيدة العذراء نفسها ما كانت تستطيع أن تدخل ملكوت السماوات إلا بإذن المسيح، إنما روح القدس طهرها هي بالذات لتكون أماً لذلك الذي تجسد من روح القدس ومنها ليجعل ابن الإنسان ينوب عن البشرية نيابة صحيحة، وقد قالت عندما حن عليها الروح القدس اترك روحي فالله يخلصني.

  • حقّاً قد استوفى العدل حقه كاملاً بتنفيذ عقوبة الموت للمسيح باعتباره نائباً عن البشر.

امبرواز: وأدت الرحمة رسالتها الجليلة في المسيح الذي قدّم ذاته عن البشر.

وعد اجبرات

المدير العام لموقع زين بوست، محررة وباحثة.

View All Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *