كارل بوبر (الجزء الثالث)

كارل بوبر

كارل بوبر (الجزء الثالث)

النقد

يجب أن يترك الفرد المجال ليأتي أحد لينقده، فهذا بعكس الحتمية، بناء نظرية قابلة للتكذيب والتفنيد بقدر ما هي علمية.

الديمقراطية مثلاً هي الطريقة الأفضل للحكم ولكنها الأقل شرّاً، أما هي فليست مقدسة ومطلقة، وفضلها أنها تزيل الحاكم بدون إراقة دماء، لا يوجد شعب يحكم ذاته بالديمقراطية فعليّاً، كل ما كان قابل ومرن وقابل للتكذيب كان أفضل، وهذا هو المجتمع المفتوح؛ فالمجتمع المغلق لا يقبل لأفكار أخرى أن تدخل، وهذا ما يجعلنا نستنتج بأن بوبر كان ليبراليّاً! ولأنه أيضاً ضد النظم السياسية القائمة على الحتمية.

فالتكذيب سمة أساسية عنده، فالإنسان يميل دائماً بطبيعته إلى الاستقراء والتعميم والقبول الأعمى بهما، لكنه يسارع إلى التحذير من هذا الميل والقبول اللانقدي للاستقراء، كونهما يؤديان في كثير من الحالات إلى الخطأ والفشل في معرفة الأشياء، فعرف الاستقراء بأنه أخذ الكل من الجزء، ورؤية الجزئيات ثم القيام بالتعميم، أي رؤية مجموعة معطيات ثم القيام بتركيبها للخروج بالنتيجة، أما الاستنباط هو أخذ الجزء من الكل، أي رؤية الظاهرة ثم القيام بتحليلها، فالنقطة المهمة لديه هو ما خالف به نيوتن و أن العلم لا يبدأ بالتجربة.

بل يبدأ من فرضيات داخلية في العالِم؛ أي تبدأ بمشكلة وليس بالتجربة، فعقل العالِم هو سؤال حتى يبدأ بالإجابة والبحث عن حلول، والعلم لا يبدأ من التجربة بل من فرضيات يفرضها عقل العالم، والخطوة التالية هي عملية التجريب، فالعملية العلمية تبدأ بمشكلة فعقل العالم لا يكون فارغاً عند قيامه بالعلم، بل هناك مشكلة تؤرقه ويستخدم ويسخر التجربة من أجل حل هذه المشكلة.

وباستعمال العقلانية النقدية يجب على العلوم أن تتحلى بالعقلانية النقدية، أي أن نكون منفتحين على النقد (الذاتي) ونقد الآخرين، وأن لا نضع أنفسنا موضع العارف بل موضع المشكك، فالعقلاني هنا، يهدف لهداية الناس لآراء معينة علمية أو غير علمية، بل العقلانية عنده تعني دعوة للآخرين للاختلاف.

دعوة الآخرين لمحاولة تفنيد وتكذيب؛ أي الاختلاف مع النظرية؛ فالعالم الحقيقي هو من ينبذ المطلق والحقيقة التي لا تتغير، والعالم الحقيقي والإنسان الحقيقي هو من يحارب من أجل الاختلاف، لا من ينبذ الاختلاف، والاختلاف هو الطريق الصحيح، ويجب أن يبحث عن المختلف لا عن المشابه، فالعلم يجب أن يقوم بعملية التكذيب، وهي عملية اختيار للنظرية العلمية أو أي نظرية علمية عن طريق محاولة تكذيبها ونحن بذلك لا نعرف فقط أن نظرية ما خاطئة ولكن المهم أننا نعرف لماذا هي خاطئة، وإذا عرفنا لماذا هي خاطئة ستكون نقطة إنطلاق إلى تطوير العلم وتقدمه.

أصر بوبر على عملية التكذيب لأن الاستقراء يبعد عن النظرية و عن ما يخالفها (منطق الاستقراء يجمع معلومات تؤيد النظرية)، هو لم يكن يقصد جمع ملاحظات تؤيد نظرية ما فهذا مخادع بالنسبة له وقد نحضر شواهد تخدع، وهذا تضليل فيجب تكذيبها بدلاً من تأييدها، وفي حال استطاعت النظرية مجابهة هذه الأمور أصبحت قوية وهنا نبدأ بتطويرها، و نحن يجب أن ننقض النظرية، فهدفه من هذا أولاً استبعاد النظريات الخاطئة.

ثم البحث عن نظرية أكثر صدقاً وأكثر ملاءمة؛ فبدلاً من  استحضار ما يوافق النظرية واستبعاد ما لا يوافقها، تقوم العملية باستحضار ما يخالفها وما يكذبها لنرى إذا كانت ستصمد هذه النظرية أم لا، وفي حال صمودها أمام عملية تكذيبها، فإنها قوية وصحيحة وعلمية، وإذا لم تصمد فذلك يعني أنه يجب تعديلها أو حتى إلغائها، ويجب علينا استحضار ما يخالف النظرية بدلاً من التركيز على ما يوافقها وإهمال المخالف لها.

فاتجاهنا إلى فرض الاستدلال الاستقرائي المفضي إلى نظم وقوانين عامة في الطبيعة وقبوله، هو سمة من سمات البنية النفسية للإنسان، أي إن الإنسان بطبيعته يميل إلى الاستقراء والتعميم والقبول الأعمى بهما، لكنه يسارع إلى التحذير من هذا الميل والقبول اللانقدي للاستقراء كونهما يؤديان في كثير من الحالات إلى الخطأ والفشل في معرفة الأشياء.

وعد اجبرات

المدير العام لموقع زين بوست، محررة وباحثة.

View All Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *