كارل بوبر – الجزء الثاني

كارل بوبر

كارل بوبر – الجزء الثاني

كان آينشتاين يؤمن بالحتمية، فلا يوجد علم بدون قانون حتى النسبية والميتافيزيقيا، أي قانون يجب أن يعتمد على أساسات منطقية، فالقانون يعمل عملين: يفسر الظاهرة، ويتنبأ، مثلاً قانون الجاذبية يفسر وقوع التفاحة؛ ولكنه قانون لا يعمل فقط اليوم بل هو دائم حتى غدٍ.

أما عند نيوتن القوانين ثابتة لا تتغير وصالحة لكل زمان ومكان إلا أن آينشتاين يوجد عنده حتمية ثابتة لكن لا نملك حتى الآن الأدوات للوصول إليها. فالموضوعية طرأ عليها تغيير؛ مما جعل المفهوم المعاصر لها متغيراً ومختلفاً عن الفكرة الكلاسيكية.

التجربة في العصر الكلاسيكي (فترة نيوتن) هي ملاحظة ثابتة وتتم عن طريق توفير الشروط اللازمة لحدوث الظاهرة المدروسة، بحيث يعاد إنتاجها في المختبر، و هذا كان في عصر نيوتن؛ لأن الأمر في الفيزياء المعاصرة اختلف؛ حيث تم الاتفاق على صعوبة إعادة الظاهرة في التجربة كما كانت هي الأساس في الطبيعة.

حيث أظهرت النتائج العلمية أن ليس بالضرورة التصرف بالظاهرة نفسها حتى في الشروط ذاتها، فلم يشاهد العلماء الإلكترونات ولم يلاحظوها في التجربة، إلا أنهم لاحظوا تأثيرها حتى كوكب نبتون، فالمكتشف الفرنسي فرييه لاحظ تأثيره ولم يشاهده فعلاً.

انتسب بوبر إلى “حلقة فيينا” التي أسسها مناطقة الوضعية المحدثة، لكنه ما لبث أن اختلف مع منظِّري الوضعية المنطقية منذ أن نشر كتابه “منطق الاكتشاف”، عيّن مدرساً في جامعة كانتربري في نيوزيلندا الجديدة حيث أقام إلى عام 1945، و عيّن مدرساً في جامعة لندن عام 1945.

حلقة فيينا أو دائرة فيينا و تعني آنذاك الوضعية المنطقية، وهي حركة فلسفية ظهرت في النمسا، الميتافيزيقيا عندها فارغة، و تستمد الوضعية المنطقية تأثيرها من النظرية النسبية لآينشتاين التي أثرت على أصول الوضعية المنطقية، واهتم فلاسفتها بالنظرية النسبية؛ فهي تُعنى بالتحليل المنطقي للمعرفة العلمية، وكان هدفها التركيز والتدريب لنتمكن من فهم ما يقصده العلماء، ثم توضيح ما تضمنته أقوالهم من حقائق مرجحة بيانها، والتعبير عن الظواهر بلغة الرياضيات.

اختلف مع أفلاطون حول المعرفة المطلقة في الرياضيات، فرفض المعادلات الرياضية والمعرفة الرياضية عند أفلاطون واعتبرها خالية من المعنى أو على أنها بديهيات لا تفيد أي معرفة عن العالم والطبيعة، يعني لم  يرد بوبر الانطلاق من الرياضيات بوصفه نموذجاً مطلقاً للمعرفة على غرار أفلاطون.

فمنهج العلم هو منهج التخمينات الجريئة والمحاولات الفذة لإثبات بطلان هذه التخمينات فاسقط ادعاء الحقيقة عن النظريات العلمية، فهي حسب بوبر مجرد تخمينات قد تصيب أو قد تخطئ في وصفها للظاهرات المحيطة، أما ما اختلفت معه أكثر هو قوله إن منهج العلم لا يكمن في إثبات صدق هذه النظريات بل في محاولة نقضها كوصف موضوعي للحقائق الطبيعية.

كان بوبر يريد القضاء على حتمية العلوم الفيزيائية، فلقد ظهرت فلسفة بوبر التي اختلفت في مفهوم المعرفة مع أفلاطون، وهو الاختلاف الجوهري بين العلم الفيثاغوري في الأرقام وعلم الفيزياء الحديثة كما ظهر في القرن السابع عشر في أوروبا، لكن حجم هذا المعطى التاريخي يتضاءل عند المقارنة بين ديكارت وبوبر كونهما ينتميان إلى حقبة تاريخية واحدة معرفيّاً؛ أي تلك التي عمّدها غاليليو وديكارت ونيوتن بوضعهم القوانين العامة لحركة الأجسام.

هدف العلم وضع نظريات في الظاهرات الطبيعية، وهذه النظريات تبقى تخمينات قاصرة عن بلوغ الحقيقة، بانتظار أن يتم استبدالها بتخمينات أخرى أفضل من سابقاتها، ولكن هي الأخرى تنتظر أن تدحض في المستقبل، فاستبدل مسار الفيزياء وقوانين نيوتن في حركة الأجسام بقوانين النسبية التي وضعها آينشتاين. وهذا سوّغ له نظرتة النقدية أو الإبطالية لتطور النظريات العلمية.

فإن هذه النظرة ليست مجرد وصف موضوعيّ للسياق التاريخي المتقلب في الفيزياء، فإن الدوغمائية بوصفها فلسفةً للمعرفة العلمية لا تتطابق والمفاصل الرئيسية في تطور العلوم الحديثة، حيث توالت عمليات النقد الصارم والهدم الصريح لبنى ونظريات ما كان لعلماء أجيال سابقة أن يضعوها موضع الشك.

وبالتالي فإن النقدية أو الدحضية وصف أدق من الدوغمائية إذا ما أردنا صورة عامة عن تطور الفيزياء والعلوم الحديثة عبر حقباتها التاريخية الرئيسية. فيمكن التوفيق بين نظرته النقدية إلى المعرفة العلمية، وبين واقع تلك المعرفة في وعي العلماء أنفسهم وفي ممارستهم، عن طريق حقبات التغيير الثورية في تاريخ العلم فهي النموذج الذي بنى عليه نظريته في طبيعة المعرفة العلمية، ورأى أن هذه الحقبات حقيقة تاريخية؛ فإذا وضعنا نموذجه النقدي في مصاف القيمة المعيارية فقد يصبح بالإمكان تبريرُ موقفه.

كان موقفه شبيهاً بموقف سقراط من المعرفة بشكل عام عندما قال: كل ما أعرفه هو أنني جاهل!، فكان هدف سقراط من هذا الاعتراف هو حث الإنسان على النظر والبحث والتدقيق؛ أي إيقاظ العقل من سباته ومسلماته ودفعه على طريق الاكتشاف، وبوبر نفى إمكان التوصل عبر أي نظرية إلى الحقيقة في الظاهرات المحيطة؛ لأن العالم الطبيعي أكثر تعقيداً وغموضاً مما قد يستطيعه أي عقل بشري، وبالتالي تنحصر المسلمات والحقائق في مَجالَيْ المنطق والرياضيات المجردة.

فكان لا يريد للباحث في الطبيعة أن يستسلم أمام هذه الاستحالة التكوينية لبلوغ الحقيقة، بل أن يضع صورتها الغائبة أمام ناظريه أبداً، مستغلاً سيف النقد والنقد الذاتي لكل تصوراته وأفكاره.

ميّز بوبر بين العلمي واللاعلمي بالاعتماد على الاستقراء، إذا لم نستطع أن ندخل مقولة معرفية ونثبتها عن طريق الاستقراء فإن هذا دليل على عدم معقوليتها وعدم علميتها حسب المنهج الاستقرائي؛ فبدلاً من أن نبرر العلم عن طريق التأييد، اقترح (قابلية التكذيب)؛ هنا نلاحظ تأثره بنقد ديفيد هيوم للاستقراء.

فقد أيده بجزء كبير من نقده ولكن مع تطويرات طفيفة مع نقد هيوم؛ فالمشكلة التي قال بها يمكن صياغتها كالآتي: كيف للماضي أن يحكم المستقبل؟ أي لا يمكن تحديد التاريخ من مجريات على أرض الواقع، فالعلم يتطور عن طريق ثورة، و هو تكذيب للنظريات أكثر من تأييد لها، وإن أكثر من ينتقد النظريات الجديدة هم أصحابها أنفسهم؛ لأن لديهم تراكمات علمية؛ لأن هناك نقلة ثورية، وهذه الفترة التي بدأ بها العلم بالانهيار، فترة تعدد النظريات والتغيرات، وقصد هنا بأنه من الممكن أن تكون هناك علوماً مرفوضة ومن الممكن أن  تدخل من جديد مثل الطب الصيني الذي كان مرفوضاً ودخل من جديد.

طبق اللاحتمية والنسبية أعاد عملية الشك لباقي العلوم كالسياسة والاجتماع والعلوم الإنسانية، فلا شيء مطلق وصحيح دائماً، فتأثر أيضاً بنسبية آينشتاين و استخدم النسبية في السياسة والاجتماع والعلوم الإنسانية.

وعد اجبرات

المدير العام لموقع زين بوست، محررة وباحثة.

View All Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *