الكندي – الجزء الثاني

الكندي

الكندي – الجزء الثاني

نظرية (الصدور) أو حدوث العالم

 نحن نعلم أن الأفلوطينية الجديدة تتحدث عن نظرية الفيض التي تقول بأن العالم فاض عن ذات الله الخيّرة، وأن الله كامل في كل أجزائه وهذا العالم هو شيء زيادة من هذا الخير، و أن أفلوطين قال بأن الله لا نقص فيه ولكن العالم هذا هو الزيادة والفائض وبأن طبيعة الخيّر أنه يفيض.

لم يكن الكندي مع هذه النظرية فهذا باعتباره مخالف للدين، لم يكن ثمة شيء إلا الله، ثم تعلقت إرادة الله في خلق هذا العالم فقال لـه “كن فيكون”.

فحدوث الكون حدوثاً مطلقاً، ابتدع ابتداعاً أي حدث ضربة واحدة، بكلياته وجزيئياته وعناصره، أي أن الله ابتدع الكون بعد إذ لم يكن في غير زمان.

الله

الصانع تعني عند أرسطو أن العالم كان موجوداً، إذاً فهو في زمان؛ لأنه لا يمكن تصوّر شيء في اللازمان، بعض الفلاسفة قالوا إن الله خالق العالم، ولكن العالم قديم وليس محدثُا، أي أنه لم يزل موجوداً مع الله، ومعنى ذلك أن خلق الله للعالم لم يتم في الزمان؛ لأن الله ليس متقدماً على العالم في الزمان، إلا أن الكندي قال بالحدوث، فالله عنده هو العلة المبدعة لكل علة، وهو الفاعل الحق الأول التام، وبما أن أرسطو قال بقدم العالم (أزليته) أولاً، وإنكاره القول بخلق العالم من العدم ثانياً، فهو يقول بحدوث العالم أولاً وبخلقه من العدم المطلق ثانياً، وكان هذا المفهوم صريح عنده.

هنا ظهر الاختلاف بينه وبين قضية أفلاطون التي تقول في الوجود الأزلي الثابت المنزه عن الحركة والتغير والصيرورة، فالتحديد الزماني والمكاني ينحصر في واحد وهو الله، لكنه عند أفلاطون يتعدد بقدر ما في العالم الحسي من أنواع أو أشياء تنطوي تحت هذه الأنواع.

فبالنسبة لأفلاطون لكل نوع في هذا العالم مثال أو فكرة في عالم الوجود الحقيقي، ولكن اختلاف الكندي مع أفلاطون هو أنه من وجهة نظرأفلاطون ليس هناك شيء حسي مخلوق من العدم؛ لأنه ما هو إلا انعكاسات للأفكار الأزلية القائمة في عالم الجواهر بوجودها الفعلي، أما بالنسبة إلي الكندي فسبب وجود الأشياء واحد وهو الله، وعند أفلاطون سبب وجود الأشياء متعدد.

يعتبر الكندي غير ناقلاً عن سواه من الفلاسفة اليونان فحسب، بل أخذ منهم ما يلائم آرائه وعدل عن ما يخالفها، فهو أعتبر أن الله خلق العالم كله ضربة واحدة من غير زمان ومن غير مادة، استناداً إلى قوله تعالى ” إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول لـه كن فيكون”، الكون تم ابتداعه من علة فاعلة قادرة، والمقصود بالإبداع عموماً هو إيجاد شيء غير مسبوق بمادة ولا زمان، وهو يقابل التكوين لكونه مسبوقاً بالمادة، والتقابل بينهما تقابل التضاد من حيث كونهما وجوديين، بالأحرى الإبداع هو “إظهار الشيء من ليس” أو”إيجاد شيء من لا شيء”، باعتبار أن الحكيم قد لا تستوي لديه عدمية سبق المادة أو الزمان مع دلالة الإبداع.

اختلف مع أفلوطين في نظرية الفيض فكان محتفظ بثوابت العقيدة الإسلامية، وبالخصوص منها ثابت “الخلق من عدم”، ولم يحاول الأخذ سوى ما يناسبه من فلسفة أرسطو.

السببية

لم ينكر الكندي أن العالم يسير على قانون ثابت، فقد حاولت أن أجمع بين إمكانية التدخل الإلهي والعناية الإلهية وبين سير الطبيعة والعالم، وخضوعه لقانون كلي وشامل.

” تأييس الأيسات من ليس”

هناك فعل حقيقي وفعل مجازي، فالأول طرحه بعبارته التي ذكرها بأن إيجاد الموجودات من عدم، وهذا الفعل لله تعالى وحده فهو غاية كل علة، وأسماه بالإبداع، أما الفعل المجازي هو أثر المؤثر في المؤثر فيه، فالمؤثّر هو الله، والمؤثّر فيه هو العالم، فتأثيره عز وجل في العالم لا يقف عند حد إيجاد العالم عن عدم، بل يشمل أيضاً عنايته جل وعلا للعالم وحفظه المستمر لموجوداته، إن فاعل هذا الفعل لا يتأثر بأي نوع من أنواع التأثر، أي يفعل مفعولاته من غير أن ينفعل هو إطلاقاً، إنه البارئ فاعل الكل جل ثناؤه.

وعد اجبرات

المدير العام لموقع زين بوست، محررة وباحثة.

View All Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *