باروخ اسبينوزا

باروخ اسبينوزا

باروخ اسبينوزا

ولد اسبينوزا من طائفة اليهودية في أمستردام، لكنه لم يلبث أن لعن وتم تكفيره بسبب أفكاره التي اعتبرت هدّامة، حيث تعرض لمحاولة اغتيال، وذلك بسبب انتقاده للديانة الرسمية، حين قال إن المسيحية واليهودية لا تستندان إلا على عقائد جامدة وطقوس مفرغة من معناها، وكان أول من تبنى النقد التاريخي للكتاب المقدس، وأهم كتبه: رسالة  في اللاهوت والسياسة، وكتاب علم الأخلاق، وكانت أهم معاركه أنه حاول أن يقول إن حرية التعبير والضمير لا تضر بالصالح العام.

رفض فكرة أن الكتاب المقدس ليس من خلال الوحي الإلهي في أدق تفاصيله، حتى عائلته أنكرته واعتبرته زنديقاً، وحرموه من الميراث، فاستغنى عن كل هذا في سبيل حرية التعبير والتسامح الديني، وعاش معزولاً مكرساً كل وقته للفلسفة، وكسب عيشه بتصنيع عدسات النظر وبيعها، فقد كان شجاعاً، وعبّر عن رأيه بشجاعةفكان لا يهاب أحد.

الطبيعة

الإنسان جزء من الطبيعة، ولا يجوز لنا أن نقف بمعزل عنها وعن  قوانينها، فهناك ارتباط بين الإنسان و الطبيعة.

أوضَحَ  ثلاث مفردات: (الجوهر، الصفة، العرض)  فالجوهر هو الحقيقة، والصفة هي مظهر الطبيعة، وأما العرض فهو الشيء المجسم أو فكرة أو حادث، فالكل هو الواحد والواحد هو الكل، والطبيعة هي جزء من خالقها؛ لأن الله هو الجوهر الوحيد، وكل شيء آخر هو امتداد لـه، الله كائن لا متناهٍ إطلاقاً، أي جوهر يتألف من عدد لا محدود من الصفات؛ فالله واجب الوجود إذاً.

لم يفصل الطبيعة عن الله فكان عكس ديكارت تماماً!.

باعتقاده المخلوقات ليست متميزة عن الله، هي فقط أحوال متعددة للجوهر نفسه، الله ليس هو صانع الطبيعة، الله هو الطبيعة وهي جزء منه، وهناك علاقات تربط هذا الكون الفسيح.

يجبرنا اسبينوزاأن نتذكّر خلافاته مع طائفته، فلا بد أن يكون لكل شيء سبب أو علة معينة تفسر وجود هذا الشيء أو عدم وجوده، طالما أن الله جوهراً فلا يمكن أن ينتج عن شيء، فهو علة ذاته، والجوهر يجب أن يكون لا متناهياً.

مجّد العقل، فضّل الرياضيات والهندسة واعتبرهم أفضل شيء لما بهما من دقة في الوصول، والأخلاق يجب أن  تكون متأسسة على العقل أيضاً.

اسبينوزا ليس شكاكاً مثل ديكارت، فكان ديكارت قد فصل الله عن الطبيعة، أما اسبينوزا فلا؛ كان يكره التعقيد، لأنه يوصل إلى الخطأ، وكان يحب تبسيط الأمور والوضوح، فتنظيم الأفكار والفهم يوصلنا إلى الحقيقة، ومعرفة هذا الكون الكبير وفهمه، ومعرفة الله توصلنا إلى الأخلاق، فكل الأجزاء في الكون هي عبارة عن كل واحد، إذا فهمناها بطريقة جيدة سنكون خيّرين وسنصل إلى معنى الخير وإلى الحقيقة.

المعرفة

المعرفة خير، هناك علاقة ما بين المعرفة والخير، كل ما نراه في هذا الكون هو الله، وجوهره الله، إذا حاولنا أن نفهم هذا الكون الكبير وكيف يعمل، سوف يسهل علينا حياتنا، ويسهل علينا فهم هذا العالم، هذا الفهم الخاص (فهم العالم والله والكون).

الفهم الخالي من التعقيد والمرتب والواضح هو (الأخلاق)، وهو (الخير) الذي سوف يوصلنا إلى الأخلاق السليمة، وفهم العالم بطريقة مغلوطة سوف يؤدي بنا إلى أخلاق مماثلة لها (مغلوطة)، فهناك علاقة ترابطية ما بين الله وفهمنا أنا لله، وأن أكون أخلاقياً فهي ليست مفصولة عن بعضها، فكل ما نراه في هذا الكون هو الله،  كل جوهر واحد هو الله؛ أي إذا عرفنا كيف يتجانس العالم والله ستكون تصرفاتنا متجانسة وفقاً لهذا التركيب، وبالتالي سنتصرف بطريقة أخلاقية؛ لأن الناس يفترضون عادة أن كل الأشياء في الطبيعة تعمل من أجل غاية، يوجد غاية وهي تسير نحو هذه الغاية، إنهم يماثلون بتصرفاتهم وتصرفات الطبيعة، حتى إن الناس يؤمنون أن الله خلق كل شيء من أجل غاية أو هدف معين.

إن أصل أخطائنا وسوء فهمنا ناتج عن هذه النقطة بالذات؛ فنحن نعتقد أن هناك خيراً وشرّاً، وأن الله يعاقب الناس، فعندما تحصل الزلازل في منطقة ما نعتقد أن هذا هوغضب من الله لمعاقبتنا على شيء ما، هذا التفكير الخاطئ ينتج بسبب أننا نعتقد بأن هناك غاية في عقل الله، فنبدأ بالشكر لله وتعظيمه لأنه مثلاً وضع الشمس للدفء، والشجر للأكل والحيوانات للطعام، ونبدأ بشكر فضله، والعكس كذلك عندما يرسل الله لنا الأمراض والطوفان، نعتقد أنه حصل ذلك لأننا كنا مخطئين وأن الله يعاقبنا على أفعالنا، فكان موقفه من هذا الاعتقاد بأنه هلوسة.

تعامل اسبينوزا مع أغلب الموضوعات الميتافيزقية، والأنطولوجية الوجودية، والأبستيمولوجية المعرفية، مثل (الله، العالم، الجوهر والكمال)؛ كمفهوم الكمال والمعرفة البشرية، تعامل معها ككل متكامل، وهذا ما يميز الفكر السبينوزي؛ لهذا اعتبر بعض الشارحين فكره بأنه متصوّف أكثر ما يكون فيلسوفاً؛ وإن السبب وراء هذا الاعتقاد هو فهم اسبينوزا لمفهوم الله؛ فهو يشبه مفهوم المتصوّفة في أن الله موجود في كل مكان وكل مكان فيه الله، فكان يؤمن بوحدة الوجود التي يقول بها المتصوفة، و يؤمن أن لا فرق بين العالم والله، و لا فرق بين الإنسان والله، الله موجود في كل مكان، الله – الطبيعة – الإنسان.

ربط بين الفكر والواقع واهتم بهما كثيراً، ويعتبر أن الإنسان يتجه نحو الواقع خارج ذاته، محاولاً الخروج من ذاته للوصول إلى الواقع؛ لهذا يقول إنه لا وجود للحقيقة إلا في الحكم الذي نعطيه على الواقع، أي في فعل الإرادة الذي يربط الفكرة في الشيء أو الذي يثبت أن الفكرة مطابقة للشيء الموجود خارج الذات.

اسبينوزا لم يبدأ بالشك مثل ديكارت، فهو لم يكن شكاكاً ولاجباناً أيضاً، فديكارت فصل بين عالم الذهن وعالم الواقع واعتبرهما عالمين منفصلين.

الله والطبيعة جوهران مختلفان عند ديكارت، وشيء واحد عند اسبينوزا، فآمن بالوضوح، ونشد الوضوح وبسط الأمور، وكره التعقيد، وآمن أن في التعقيد تكمن الخطيئة، والخطأ ينتج عن عدم الفهم وعدم ترتيب العقل والأفكار، وأن هناك معوقات في الطبيعة سوف تبعدنا عن الحقيقة، وسوف تشتت عقلنا في الوصول إلى الحقيقة، فكان يريد رفض التصورات السابقة؛ و كان محور فكره أن تعليمه للديانة اليهودية هو ما جعله دوماً يحاور أساتذته بصلابة ويحاور الأفكار التي كانت تعتمد عليها الديانة اليهودية، فكان يحاول إيجاد تأويل آخر للتوراة، وقلب المفاهيم التي درسها في اليهودية.

فكان يقول: ” قد تبقى الحقيقة مختفية عن الجنس البشري إلى الأبد، لو لم تكن هناك رياضيات”؛ فالفكر الرياضي عنده هو الوحيد الذي سوف يقودنا إلى الحقيقة والفهم الصحيح للكون، ” فلندع القيم والأخلاق جانباً وننظر إلى العلاقات التي تربط هذا الكون الفسيح “

فنحن سنجد أن كل الموجودات متساوية بمعنى أن لكل موجود علاقة تربطه مع الموجودات الأخرى بشكل متساوٍ مهما صغر أو كبر هذا الشيء.

 كان يعتقد أن أي شيء في هذا العالم مهما كبر أو صغر حجمه تربطه علاقة متساوية مع بقية الموجودات، فالإنسان أفضل من الشجر والحجر وقيمته يأخذها عن طريق علاقاته التي تربطه بالموجودات الأخرى، ويأخذ قيمته من مقدار فهمه لهذه العلاقات، فإذا فهم علاقته مع بقية الموجودات سيكون فهماً صحيحاً وأخلاقيّاً؛ لأنه سيكتشف أن الكل جزء من الله، فالأجزاء عند اسبينوزا هي عبارة عن كل مترابط مع الله.

ستقودنا الرياضيات إلى الحقيقة في نظره؛ لأن الرياضيات لا تهتم بالغايات؛ فهناك حقائق إذا فهمناها سنفهم المثلث بدون أن يكون هناك غاية.

وعد اجبرات

المدير العام لموقع زين بوست، محررة وباحثة.

View All Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *