باركلي

باركلي

باركلي

كان لهذا الفيلسوف الكثير من النقاد، منهم الماديون، وحتى المثاليون؛ مع هذا يجب ألا ننظر إلى باركلي نظرة السذاجة لأنه ألغى وجود المادة وحسب، فمذهب المادية هوالمذهب الذي لم يعترف للمادة بأية حقيقة خارجية، فباركلي ألغى وجودها الواقعي إلغاءً تامّاً، و كان واقعي؛ آمن بالوجود الخارجي للأشياء المادية، وأراد أن يحتفظ بحقيقتها الواقعية، ولم يجعلها تحت رحمة الذات.

انحاز بطبيعته إلى كل ما ورد في الكتاب المقدس وإلى ما كان متفقاً مع الرأي الشائع، وكان يقف في أموره جميعها إلى جانب العامة و أعلن أن هناك عدداً كبيراً من الناس لن يعجبهم هذا الموقف منه، ولكنه مع ذلك فضل وتوقع أن تقف إلى جانبه هذه العقول جميعها، التي لم يرهقها البحث، ويفسرها جنون البحث!

كتب العديد من الكتب ومنها كتاب ” نحو نظرية جديدة في الإبصار “، طرح فيه رؤية الإنسان للمسافة أو رؤيته للأشياء التي تقع على بعد لا يتوقف على حاسة البصر بل على حاسة اللمس، فإن إدراكنا للامتداد لا يتم عن طريق البصر، أو أن إدراكنا للوجود الخارجي للأشياء لا يرجع إلى حاسة البصر، فألغى الوجود الخارجي للأشياء، وحصر وجودها في مجرد إدراكها الحسي أو الذاتي؛ فالحواس عمياء ترى الشيء ولكن لا تدركه، ولكن العقل هو الذي يدركها، والتمييز بين الأشياء يأتي من الخبرة.

فيتم إدراك الأشياء عن ما نأخذه عن الشيء فليس هو الشيء نفسه، ولكن فكرة عن هذا الشيء.

مبدأ الحديد

أرجع جميع صفات المادة الثانوية والأولية إلى الصور، فجعل وجود الأشياء المحسوسة قائماً في مجرد إدراكها.

شن حرب ضد الأفكار المجردة؛ لأنه رأى مدى خطورتها في أبعادها الحقيقية، فالجسم القريب جداً من العين تبدو صورته مختلفة؛ العقل قادر على التجريد وثمة أفكار مجردة يستعين بها هذا العقل على التفكير في المسائل الفلسفية العويصة التي تتناولها العلوم كالميتافيزيقيا والمنطق، فالأفكار المجردة هنا ليست سوى أوهام، وهي مصدر الظلام الذي يحيط بالحقيقة، ومن واجبنا إبعادها عن طريقنا، ومصدر هذه الأفكار: اللغة والألفاظ.

أنكر الأفكار المجردة، سواء كانت تشير إلى صفات أو إلى موضوع.

لم ينكر التجريد من حيث إنه عملية ذهنية مشروعة؛ فهو أعتبر التجريد الحد الفاصل بين الجماد والإنسان، ولم يلغي أيضاً جوهر المادة ولم يقضي على الجوهر، ويجب ألا يتهم بأنه أبعد الجوهر عن العالم العقلي، إنه أقترح فقط أبعاد الجوهر بمعناه الفلسفي، وهو في الواقع لا يعني شيئاً، فالقول بمادة أو بجوهر مادي سواء من أجل أن يكون مقوماً للصفات أو نموذجاً لأفكارنا هو قول يؤدي بنا مباشرة إلى الشك؛ فافتراض وجود شيء خارجي مخالف للصورة يقودنا إلى مذهب الشعب ويفقدنا الثقة بحواسنا، فالحواس تدلنا على الصفات الحقيقية للأشياء، وأنه ليس في هذه الأشياء ما تعجز حواسنا عن إدراكه، فهذا مباشرة يؤدي بنا إلى اليقين.

إذاً قصد باركلي أن المذاهب المادية تؤدي إلى الشك، بينما تؤدي اللامادية إلى اليقين، فالمادة لا تحتوي في طبيعتها على شيء مستتر، ولا تشتمل إلا على ما ندركه منها؛ فهي لا تحتوي في جوهرها على قوة أو علة مؤثرة، ففاقد الشيء لا يعطيه، تماماً مثل اسبينوزا عندما قال إن العدم لا ينتج إلا العدم في موضوع العلة.

الزمان والمكان

فكرة الزمان والمكان عند باركلي ليستا مجردتين؛ لأن الزمان يكون دائماً مرتبطاً بالحالات الشعورية التي تتعاقب فيه، والمكان لا يمكن أن نتصوره إلا إذا تصورنا الأجسام التي تشغله، وعلى الرغم من أن الزمان ذاتي والمكان موضوعي، وأن الزمان يتعلق بالحس الباطني والمكان بالحس الخارجي، إلا أنهما يشتركان معاً في أنهما ليسا مجردين.

 في كل مرة حاول أن يكوّن فكرة بسيطة عن الزمان أو فكرة مجردة عن تعاقب الأفكار في ذهنه، كان يفقد نفسه فلا يجدها ويصطدم بصعوبات لا حصر لها، وكذلك الحال فيما يتعلق بالمكان؛ ففكرة العلية هي أولى الأفكار بالنقد لأنها تعبر عن نزعة التجريد التي تغلغلت في عقول الفلاسفة.

العلة الحقيقية في الطبيعة هي الله، وإليه يرجع الأمر كله، فالله روح ونحن روح، ولكننا مستقلون عن الله؛ فكل العالم هو أفكار في عقل الله، فالطبيعةليست إلا مجموعة من الرموز والروابط القائمة بين هذه الرموز، وليست هذه الرموز في حقيقة الأمر إلا اللغة التي يتحدث بها الله إلينا، وهي تدلنا في كل لحظة على وجوده.

وعد اجبرات

المدير العام لموقع زين بوست، محررة وباحثة.

View All Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *