افلاطون – الجزء الثاني

افلاطون

افلاطون – الجزء الثاني

 نظرية المعرفة عند أفلاطون مقسمة إلى أربعة أنواع للمعرفة أولها:

– التخيل (وهو إدراك ظلال الأشياء المحسوسة وأشباهها).

– الاعتقاد أو الإيمان (وهو إدراك المحسوسات المحيطة بنا بما هي كذلك).

– الفهم (وهو علم الماهيات الرياضية المتحققة في المحسوسات).

– التعقل (وهو إدراك المثل كما هي).

يجب ذكر أن أفلاطون كان يستخدم الأساطير لتوضيح فلسفته، وخالف المبدأ اليوناني الأصيل المبني على الموضوعية، مبرراً ذلك  بأن هذه هي الحالة العليا التي تفوق العقل، والتي لا يستطيع الإنسان أن يدرك فيها الأشياء إلا على شكل لمحات، وكان يعتقد بأن تفكيره يصل إلى مرحلة من الصعب على تلاميذه أن يفهموا أفكاره إلا من خلال استخدام الأسطورة، إلا أن المؤرخين في عصره اختلفوا حول هذه المسألة، فمنهم من اعتبر استخدام الأسطورة بسبب تراخي في عقله، وآخرون افترضوها كما افترضوها كالإفتراض المذكور أعلاه.

فشرح عالم المثل من خلال أسطورة الكهف:

تخيلوا أن هناك أناساً مسجونين في كهف منذ نعومة أظفارهم، فهم قد ولدوا في ذلك الكهف لكنهم وجدوا أنفسهم مقيدين بحبال أو سلاسل مع بعضهم البعض لا يقوون على المشي أو الالتفات، فقط وجوههم تنظر باتجاه واحد وهو جدار الكهف، وهناك نار خلفهم لتقوم بتدفئتهم ضد جو الكهف البارد وتنير المكان، عندها يرى هؤلاء الأشخاص السجناء ظلالهم ملقاة على الحائط أمامهم، ويشاهدون ظلال الأشياء التي تمر أمام باب الكهف معكوسة على الحائط، بصورة أو بأخرى يتحرر أحد أفراد هذا الكهف من قيوده ويصعد إلى خارج الكهف ليشاهد العالم الحقيقي،هذا تفسير واضح لتوضيح كل الأشكال الأربعة لنظرية المعرفة عنده، فبعد أن يخرج هذا الشخص الذي استطاع تحرير نفسه، يحتاج في الواقع إلى التعوّد تدريجياً قبل أن يرى الأشياء في العالم الأعلى، ففي البداية يكون أسهل الأمور أن يرى الظلال، ثم يصور الناس وبقية الأشياء منعكسة على صفحة الماء، ثم الأشياء ذاتها، وبعد ذلك يستطيع أن يرفع عينيه إلى نور النجوم والقمر، وآخر ما يستطيع أن يتطلع إليه هو الشمس، لا منعكسة على صفحة الماء أو على جسم آخر، بل كما هي في ذاتها وفي موضعها الخاص.وبعد ذلك سيبدأ في استنتاج أن الشمس هي أصل الفصول والسنين، وأنها تتحكم في كل ما في العالم المنظور، وأنها علة لكل ما كان يراه هو ورفاقه في الكهف، وإذا ما عاد هذا الشخص بذاكرته إلى مسكنه القديم، فرح لحاله ورثى لحال رفاقئه السجناء، ولو عاد إلى مسكنه القديم محاولاً إظهار الحقيقة لرفاقه ليحررهم من أغلالهم ويقودهم إلى أعلى، لسخروا منه، بل وأجهزوا عليه بالفعل، فرحلة الصعود هذه لرؤية الأشياء في العالم الأعلى تمثل صعود النفس إلى العالم المعقول، بحيث يكون آخر ما يدركه هناك مثال الخير، وما أن يدركه حتى يستنتج حتماً أنه علة كل ما هو خير وجميل في الأشياء جميعاً، وأنه في العالم المنظور هو خالق النور وموزعه، وفي العالم المعقول هو مصدر الحقيقة والعقل، فبدون تأمل هذا المثال لا يستطيع أحد أن يسلك بحكمه، لا في حياته الخاصة ولا في شؤون الدولة، أسطورة الكهف هذه تعتبر أصدق تعبير عن المقولة الرئيسية في نظرية المعرفة عند أفلاطون، فمثال الخير (الذي يقابله نور الشمس في الأسطورة) هو الموضوع الحقيقي للمعرفة، وهذا الموضوع (ثابت وراسخ)، والثبات يعتبر شرطاً أساسيّاً لقيام معرفة حقيقية غير متغيرة، ونقصد بالمعرفة هنا أنها لا دخل للحواس الجمسانية فيها، لأن هذه الحواس هي التي تعيق عملية المعرفة الحقيقية، وأحسن ما يكون الفكر حينما ينحصر في حدود نفسه حتى لا يشغله شيء من الأصوات والمناظر والألم واللذة، وذلك إنما يكون عندما يصبح الفكر أقل اتصالاً بالجسد، فلا يصله منه حس ولا شعور، بل ينصرف بتطلعه إلى الكون، حتى تصل الروح لمرحلة الحكمة، دون أن تعترضها كل تلك الأمور.

حاول أفلاطون التعديل على رأي أستاذه سقراط بـمفهوم (الدياليكتيك) إنه فن توليد العقول، فالمعرفة الدياليكتيكية هي المعرفة الفلسفية بمعناها الكامل، ولا يمكن أن يحصل الإنسان على العلم بمعناه الحقيقي إلا عن طريق الديالكتيك (فن توليد العقول عند سقراط)، والديالكتيك ينقسم إلى قسمين: استقراء وقسمة، أما الاستقراء فهو أن يلاحظ الإنسان كل الجزئيات ثم يرتفع من هذه الجزيئيات إلى الصفة العامة التي تربط هذه الجزيئيات بعضها ببعض، و إن الصفات المشتركة التي يجب الوصول إليها ليست أية صفات كانت، بل يجب أن تكون صفات جوهرية، وبعبارة أخرى يجب أن تكون الماهية، والماهيات هي الأجناس، ويجب على الإنسان أن يرتفع شيئاً فشيئاً بهذه الماهيات حتى يصل إلى أعلى درجة في الماهية، وهي مرتبة الصور.

هنا نتطرق لمثالية أفلاطون التي تشكل أساس فلسفته برمتها، فعليها ترتكز نظريته في المعرفة، وعلى نظرية المعرفة هذه ترتكز مجمل فلسفته.

العلم الحقيقي لا يمكن أن يتم إلا إذا افترضنا وجود ماهيات ثابتة تكون موضوعاً للعلم، وهذه الماهيات الثابتة هي الحقائق الخالدة الموجودة في عالم الإله، وهي أزلية أبدية لا يلحقها التغير والفساد؛ لأن المتغير والفاسد هو الكائن المحسوس، لذا فهناك عالم آخر فوق هذا العالم المحسوس، هو عالم المثل الخالدة أو الموجودات العقلية الثابتة التي منها تستمد جميع الموجودات الحسية وجودها. فالحقيقة لا يمكن أن تتمثل في المادة؛ لأن مصير المادة العدم، وهي لا تتمتع بالوجود النسبي إلا بفضل إشراق المثل عليها؛ أي أن ما نراه في أمامنا هي صور مشوّهة عن الحقيقة.

تأثر أفلاطون في هذه النظرية بـ هيرقليطس وبارمنيدس، ثم بالفيثاغوريين، ثم بسقراط، وتأثر أولاً بـ هيرقليطس وقد درس في صغره على يد أقراطيلوس أحد أنصار المذهب الهيرقليطي. فلا زال مخلصاً لهذا المذهب لأنه يقول بالتغير الدائم للأشياء فلا بد أن يكون من وراء التغير شيء ثابت لا يقبل التغيير، وأخذ عن هيراقليطس ثانياً القول بأن المعرفة الحسية معرفة باطلة وأن المعرفة العقلية هي المعرفة الحقيقية؛ وكل معرفة عقلية تفترض وجود الثابت موضوعاً لها، وبهذا أقام نظريتة في المثل بتأثير من هيرقليطس.

وعد اجبرات

المدير العام لموقع زين بوست، محررة وباحثة.

View All Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *