افلاطون – الجزء الثالث

افلاطون

افلاطون – الجزء الثالث

المدينة الفاضلة

يرى أفلاطون أن على السلطة المعنية في المجتمع الفاضل، أن تأخذ الأطفال من صغرهم لتنقذهم من العادات السيئة لدى آبائهم ومجتمعهم الصغير، ويتم تدريب هؤلاء الأطفال تدريباً خاصّاً يعتمد على التعليم في المبادئ المعروفة ولكن بقدر أكبر على الرياضة البدنية؛ لأنهم حين يكبرون لا يحتاج المجتمع بأن يعالجهم من الأمراض لأنهم لن يمرضوا، كون الأمراض تأتي من الكسل والخمول! ودون أن يتعلموا شيئاً من الفلسفة، لحين سن الـ (20) يجري لهم فرزاً أوليّاً في امتحان تتساوى فيه فرص الجميع؛ فرص أبناء الذوات وأبناء المُعدمين، والتساوي بين الإناث والذكور، فهو لا يميّز على أساس الجنس، فالتمييز عنده في المدينة الفاضلة هو على أساس الكفاءة، فمن ينجح منهم في هذه المرحلة يواصل، و الفاشلين يتم توزيعهم للعمل بالمهن إما مزارع أو جندي من الجند مثلاً، ففي المرحلة التالية يبدأ بتعليم هؤلاء الحكمة، فهذا سن مناسب لتلقي الحكمة، ففي سن الطفولة من الصعب حفظها لديهم وقد تضيع، حتى إذا صاروا في سن الـ (30) أجرينا لهم اختباراً ثالثاً من ينجح يواصل وهكذا. لكن في هذه المرحلة هناك تحدٍّ  بكيف يمكن أن يقنع الفاشلين في الامتحان بألا يثوروا على المجتمع؟ خاصة وأنهم أصبحوا متدربين تدريباً عسكرياً ويحملون السلاح ! لذا يحاول إقناعهم بأمرين:الأمر الأول هو (أمثولة المعادن): أن يقر بأذهانهم أن البشر كالمعادن، منهم الذهب وأولئك هم الحكام المؤهلون للحكم في يوم من الأيام في سن الخمسين، ومنهم الفضة وهم مرتبة أقل ومساعدون، ومنهم الحديد وهم الذين يعملون بالمهن الأخرى، وهكذا. أما الأمر الثاني: يضع في أذهانهم فكرة (الآخرة والحساب)، أي إن الله سوف يحاسب عباده، ومن يعمل الشر سوف يجزيه الله ومن يعمل خيراً سوف يكافأ عليه.

وفي هذه المرحلة سيتعلم المتفوقين إذ يُعطى هؤلاء الشباب فترة خمس سنوات أي حتى سن الخامسة والثلاثين عاماً بتركهم يختبرون لياقاتهم فيها، وفي هذه المرحلة ينزلون إلى المجتمع ليختبروا أنفسهم في كسب رزقهم في فرن المجتمع، ولكي يدخلوا في تنافس مع رجال الأعمال الكبار، الضعيف منهم سوف يسقط ولا يحتاجه المجتمع، والقوي منهم سوف يجتاز الاختبار ويكبر فإذا ما بلغ سن الخمسين بشكل طبيعي سيكون هو من يقود المجتمع أي الفيلسوف الحاكم، حيث لا يجوز أن يحكم أحد قبل سن الخمسين.

يجدر بالذكر أن بعض الديانات تفضل سن الأربعين…!!!!

إذ سيمنحون أولئك الحاكمين الفلاسفة حتى لا يسيؤوا استخدام السلطة والنفوذ، منعهم من التملك، حتى ممنوع أن يتملك بيتاً خاصاً به، سيعيشون في بيوت مخصصة للحكام، (مثل البيت الأبيض في الولايات المتحدة)!! وممنوع أن يمتلك أموالاً خاصة، لـه رزق الشعب هو يدفعه لـه بما يناسبه، ممنوع إدخال مبلغ يزيد عن سنة واحدة، ممنوع أن يتزوج؛ لأنه سيصبح لـه عائلة وأولاد وسيبدأ بالنظر إلى تأمين مستقبلهم، ويبدأ باستغلال أموال الشعب، حتى قضاء غريزته الطبيعية عليه أن يقضيها خارج مؤسسة الزواج، وفي حال كان لهم أولاد يؤخذون منهم، المجتمع يتكفل بتربيتهم ولا يلتحق الولد بأبيه، فعند الزواج يجب إحضار شهادة تثبت اللياقة الصحية لمن يرغب بالزواج، وأن يتزوج القوي امرأة قوية حتى لا يضعف نسله، وممنوع الإنجاب قبل سن الثلاثين، وممنوع الإنجاب بعد سن (45)، وإذا حصل حمل قبل أو بعد هذه المرحلة لا بد أن يُجهض، فأفلاطون هو أول من طرح فكرة اليوجينيكس/ أي التحسين الوراثي.

هناك فرق بين الفضيلة الفلسفية والفضيلة التقليدية، فالفضيلة الفلسفية تقوم على التفكير وفهم الأساس الذي قام عليه العمل الفاضل، ولكن الثانية تقوم على التقليد أو العطف والغريزة وما نحو ذلك.

يجب أن نعلم أنّ مشاهدة أخلاق الناس في الواقع لا تكفينا لمعرفة المعنى الحقيقي للقيم والفضائل، لأن وراء الأمثلة المفردة من الخير المتحقق حسياً في أفعال الناس، هناك خير معقول وثابت وهو مثال نصعد إليه بعقولنا وأرواحنا، والفضيلة هي فعل الصواب النابع من إدراك عقلي للقيمة الحقيقية للخير، وهي (الخير الأقصى)، من هنا قسم أفلاطون الأنفس إلى: (النفس العاقلة و مركزها العقل، النفس الغضبة و مركزها القلب، النفس الشهوانية و أسفل البطن).

أما النفس الشهوانية، هي أدنى النفوس، ولها فضيلة سلبية هي العفة وقوامها ضبط الشهوات ومحاربة الإسراف في الملذات، تعلق النفس بالملذات تمهيداً لإدراك الحقيقة والخير، والعفة والشجاعة فضيلتان تمهدان لفضيلة ثالثة وهي فضيلة النفس العاقلة التي تسمى باسم الحكمة، ووظيفة الحكمة هي التمييز بين أنواع الخير لتحقيق أسماها وقوامها لتحديد النفع على أساس الطبيعة، فلولا الحكمة لفازت النفس الشهوانية وطغت وتبعتها النفس الغضبة صاغرة لا تستطيع فعل شيء.

استمد أفلاطون نظريته الأخلاقية هذه أيضاً من سقراط، فالأخلاق هي عِلم ومن الممكن تعليمه، وذلك أولاً لأن الإرادة مستقيمة دائماً عندما تكون مستنيرة، وثانياً لأن الخير هو مجموع القضايا التي تحقق التوفيق بين المرء ونفسه من جهة، وبينه وبين الآخرين من جهة أخرى، وهي قضايا عامة شبيهة بقضايا العِلم، وما تهدف إليه الديالكتيكية السقراطية وهو استخراجها عن طريق جهد تأملي جماعي وودي، منصب على المفاهيم المقبولة من المجتمع بوجه عام (فن توليد العقول)!.

القيم الأخلاقية عند أفلاطون كحقيقة واقعية مستقلة عن الإنسان، وأن فكرة الأخلاق ليست بحاجة لمن يخترعها، لأنها سابقة في وجودها لتأمل الفكر، فبالتالي لا نستطيع سوى اكتشافها من خلال التأمل، وأنها تنطلق من بضع مبادئ عمومية وثابتة ومستقلة عن العقل الشخصي (أي المسلمات)، وسواء في حالة الهندسة أم في حالة الأخلاق، فإن من الممكن النظر إلى هذه المبادئ إما على اعتبارها من صنع إرادة إلهية أو على أنها – ببساطة – انعكاس لعقل غير شخصي.

نستنتج أننا صعدنا من الأعلى إلى الأسفل…… لنصعد مرة أخرى من أسفل إلى أعلى مع أرسطو.

من الوجود إلى الموجود ….ومن الموجد إلى الوجود.

افلاطون (الجزء الثالث)

وعد اجبرات

المدير العام لموقع زين بوست، محررة وباحثة.

View All Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *